قد يعتبر بعضهم أن ما أكتبه اليوم قد يقع في خانة الشعور الانهزامي ولا يتماشى مع مسيرتي الحزبية والنضالية التي تمتد لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن أمضيتها بين السيف والقلم. إنما في حقيقة الأمر أنا اليوم أقوم بتوصيف واقعٍ مريرٍ أرفضه يتمثّل بإعادة استحضار جيش النظام السوري إلى لبنان الذي أطلّ برأسه من جديد، وذلك من خلال مسرحية الانتخابات الرئاسية السورية التي تجلّت على الطرق المؤدية إلى سفارة النظام في بعبدا، حيث قدّرت المصادر الأمنية عديدهم بحوالي 100 ألف شخص غالبيتهم من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و45 سنة وجميعهم ممن خدم في جيش النظام أي أنهم جاهزون للقتال ويفوقون ثلاثة أضعاف الجنود السوريين الذين طُردوا من لبنان في نيسان 2005 عقب ثورة الأرز، وهم يوازون ضعفي عديد الجيش اللبناني تقريباً. بمعنى آخر، إن جيش النظام خرج عسكرياً بآلياته ودباباته وراجماته تحت وطأة دماء الرئيس رفيق الحريري وقبضات الثوّار الأحرار ليعود إلينا أضعافاً تحت جنح الظلام وتحت عباءة “حزب الله” الذي يُشرف على تنظيمه في لبنان بهدف استخدامه عند الحاجة لإثبات المزيد من فائض القوّة المستعارة لتغيير المعادلات وفرض الرأي على الآخر وإخضاع المجتمع اللبناني لنهجٍ يُطلقون عليه مسمى “شرعية القوّة”. كلّ ذلك يجري في غيابٍ تام لمؤسسات الدولة العاجزة عن القيام بأبسط الإجراءات لضبط الوافدين إلينا وتنظيم دخولهم ومعرفة أماكن إقامتهم وطبيعة نشاطهم وترحيل كل مَن لا تنطبق عليه صفة النازح أي أن الشخص السوري القادر على الذهاب إلى بلدته ومحافظته الواقعة تحت سيطرة النظام والتي تنعم بالأمن على حدّ وصف وزراء حكومة النظام السوري، وإلاّ يكون وجوده في لبنان مشبوهاً ولدواعي أمنية، وليس هرباً من حربٍ تدور رحاها في منطقة سكنه. فعلى المؤسسات والأجهزة الأمنية اللبنانية أن لا تكتفي بتعداد هؤلاء والتفرّج عليهم وهم يدوسون كرامات اللبنانيين ويعرقلون أعمالهم ويُقفلون الطرقات باستعراضات داعمة لنظامٍ يرتوي من دماء شعبه، لأن احتواء هذا المشهد يكون بالتعاطي الصارم والجدّي وليس باحتوائه علّه يمهد الطريق إلى الرئاسة. أما على مستوى قيادات “14 آذار”، فيجب الانتقال من التعبير عن الأسف لنكسات متلاحقة إلى نهضةٍ غير مسبوقة تستعيد زمام المبادرة وتُعيد الروح إلى جسدٍ يكاد يفارق الحياة. فالوقوف مكتوفي الأيدي حيال ما يجري في لبنان وما يُحدق بنا لَهُوَ جريمة لن يغفرها لنا لا الشهداء الذين غابوا، ولا أجدادنا الذين صمدوا، ولا أبناءنا الذين فوق هذا التراب وُلدوا. فكيف لنا أن ندعو الثوّار السوريين للتخلّص من نظامٍ يسيطر على نصف سوريا فيما أعوانه وحلفاؤه يسيطرون على كل لبنان. فإن كانت السيطرة على نصف مقدرات الدولة في سوريا تستدعي ثورةً تُقاوم المخرز بالعين، فإن الهيمنة على كامل مؤسسات الدولة في لبنان تستدعي ثورةً على الثورة وتغيير النهج المُعتمد الذي أثبت فشله على كل المستويات. فإلى متى سنبقى نفوز بالانتخابات ولا نفوز بالحكم؟ إلى متى سنبقى نحصد الغالبية النيابية ولا نفوز بالرئاسة؟ إلى متى سنبقى نودّع الشهيد تلو الشهيد؟ إلى متى سنبقى راضخين للسلاح غير الشرعي؟ إلى متى سنبقى تحت نير الاحتلال المتجدد؟ إلى متى سيبقى أسلوب هزّ الإصبع أداة ترهيب؟ إلى متى سنبقى شهود زورٍ على تغيير وجه لبنان وثقافته؟ أسئلة صعبة إنما الإجابة عنها سهلة. فالوضع باقٍ على ما هو عليه إلى أن نقتنع أنه لا ديمقراطية مع حملة السلاح، ولا باقات الورود تردع 7 أيار، ولا الكلام المنمّق قادر على مواجهة القمصان السود، ولا ربطات العنق البرّاقة قادرة على استعادة الكرامة والعنفوان، فما هو قادر على تغيير المشهد المتردي ووقف التدحرج والانحدار هو أن نكفّ البكاء أولاً، وثانياً أن نقتدي بالثوّار الذين يواجهون الطائرات والدبابات والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية بإرادةٍ وعزمٍ على إنفاذ وطنهم من نير العقود الأربعة. ويبقى السؤال المحوري هو: هل سنستعيد الوطن … أم سنشهد ترحيلنا منه؟ .. والسلام…
رئيس دائرة الإعلام الداخلي في القوات اللبنانية مارون مارون