
مع دخول ملف الاستحقاق الرئاسي في لبنان “الثلاجة الاقليمية والدولية” نظراً لتقدم ملفات أكثر أهمية منه في سلم الأولويات, يتصرف رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” ميشال عون وكأن رئاسة الجمهورية أحد حقوقه المكتسبة أو المسلوبة منه عنوة منذ العام 2008, مستقوياً بتحالفه المتين مع “حزب الله” وبحواره المستجد مع “تيار المستقبل”.
وبعيداً عن الحسابات الاقليمية, تؤكد جميع المعطيات الداخلية أن العقدة باتت محصورة في إقناع عون بتحوله من مرشح إلى ناخب للتوصل إلى تسوية تفضي إلى إجراء الانتخابات الرئاسية, ذلك أن منافسه الأساسي مرشح “14 آذار” رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أبدى استعداده علناً للتنازل لأي شخصية أخرى من “14 آذار” وضمناً لأي شخصية يتم التوافق عليها بين “8 و14 آذار”.
ورغم أن عون مستمر بحواره مع زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري وبتحالفه مع “حزب الله”, إلا أنه بات يتصرف, منذ انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد في 25 أيار الماضي, على طريقة النظام السوري, من منطلق أنه ضحية “مؤامرة كونية” لمنعه من “حقه” بالوصول إلى قصر بعبدا, فيما تؤكد جميع المعطيات الحالية والشواهد التاريخية أن الرئاسة لم تكن يوماً من حقه, فلا هو زعيم المسيحيين الأوحد ولا هو شخصية توافقية أو وفاقية قادرة على جمع مختلف الأطراف ورعاية حوار في ما بينها.
وقالت مصادر سياسية مطلعة لـ”السياسة” ان عون يسرح ويمرح في الساحة كما يحلو له ويجاهر بتعطيله الاستحقاق الرئاسي وبرفضه الرضوخ للعبة الديمقراطية, التي دعاه إليها مراراً خصمه الأساسي سمير جعجع, استناداً إلى واقع أن “حزب الله” ليس مستعجلاً في الملف الرئاسي ويسير خلفه, وأن الحريري لا يريد العودة إلى زمن المواجهة بل فتح صفحة جديدة مع “التيار الوطني الحر” لاعتبارات كثيرة.
واستناداً إلى ذلك, انتقل عون, بشكل غير معلن, بعد انتهاء المهلة الدستورية, إلى تنفيذ الخطة “ب” التي تستند إلى “خلط الأوراق لتغيير شروط الصفقة” من خلال السعي إلى إجراء انتخابات نيابية قبل الانتخابات الرئاسية, لتحقيق هدفين أساسيين هما: تغيير موازين القوى داخل مجلس النواب, وتسليف الحريري على أن يدفع لاحقاً.
وفي تفاصيل الوصول إلى الهدف الأول, أوضحت المصادر أن عون يعتقد أن أي انتخابات نيابية ستؤدي إلى حصوله على كتلة أكبر من تلك الموجودة حالياً, على اعتبار أن “حزب الله” سيعمل على إيصال نوابه في كسروان وجبيل وبعبدا وجزين, تماماً كما فعل في انتخابات 2009, فيما العنصر الجديد يتمثل بتفاهمات مع الحريري, سواء من تحت الطاولة أو من فوقها, تسمح له بأن “يأكل من صحن “14 آذار” في مناطق عدة, على غرار زحلة وطرابلس وعكار مثلاً”.
أما بالنسبة للهدف الثاني, أضافت المصادر ان مخطط عون هو تسليف الحريري إجراء الانتخابات على أساس ما يعرف بـ “قانون الستين” الذي أجريت انتخابات 2009 على أساسه, وأرجئت انتخابات 2013 لأنه لم يتم التوصل إلى بديل له, سيما أنه مرفوض من جميع المسيحيين “عون كان أحدهم”.
لكن هذا القانون عملياً مناسب تماماً لـ”تيار المستقبل” لأنه يضمن له الحصول على الكتلة النيابية الأكبر, كما هو حاصل الآن, كما أنه مناسب لـ”الثنائي الشيعي” “”حزب الله” و”حركة أمل”” الذي سيحتفظ بحصته من النواب.
ويركن عون في مخططه هذا على أن الحريري يفضل “قانون الستين” على أي قانون نسبي يمكن طرحه, وبالتالي فإن الزعيم المسيحي سيساعد الزعيم السني على الحفاظ على قوته النيابية, في مقابل أن يرد الثاني الدين للأول بعد الانتخابات النيابية بإيصاله إلى قصر بعبدا في انتخابات رئاسية.
لكن المصادر لفتت إلى وجود عقبة أساسية تجاه تنفيذ هذا السيناريو, تتمثل بوجود إجماع مسيحي على رفض “قانون الستين” كونه لا يضمن وصول غالبية النواب المسيحيين بأصوات الناخبين المسيحيين, وبالتالي فإن مسيحيي “14 آذار”, وربما أيضاً مسيحيي “8 آذار” الآخرين غير عون “”تيار المردة” برئاسة سليمان فرنجية”, لن يوافقوا بسهولة على خوض انتخابات على أساسه.
وبمواجهة هذا الاحتمال, يخطط عون لتنفيذ “سيناريو الاستنزاف”, بمعنى أن يفرض تصلبه استمرار الشغور في موقع رئاسة الجمهورية حتى سبتمبر المقبل, أي قبل شهرين من انتهاء ولاية مجلس النواب الممدد له في 20 نوفمبر المقبل, علماً أنه لا بد من إجراء الانتخابات النيابية خلال هذين الشهرين, وإلا التمديد مجدداً للمجلس, وهو سيناريو يبدو صعباً.
ومع الوصول إلى مرحلة انتهاء ولاية المجلس النيابي, سيكون حتمياً إجراء الانتخابات تحسباً لشغور محتمل في السلطة التشريعية بعد رئاسة الجمهورية, وهنا سيسعى عون إلى “تخويف” خصومه بسيناريو “المؤتمر التأسيسي” الذي يسعى إليه “حزب الله” في حال انفلات الأمور والوصول إلى الفراغ الشامل, وسيقول حينها إن لا مخرج من الأزمة إلا بالانتخابات النيابية قبل الرئاسية, تفادياً للدخول في أزمة نظام قد تطيح اتفاق الطائف.
وختمت المصادر بالقول: ان “هذا السيناريو هو آخر الأوراق التي سيلعبها عون, في طريق تحقيق حلمه بالوصول إلى الرئاسة, لكن ما فاته أن “حزب الله” مازال يسير وراءه حتى اللحظة, ليس بسبب الحلف القائم بينهما, وإنما لأن كلمة السر الإيرانية لم تأت بعد, وبالتالي فإن الجنرال ربما يجد نفسه أمام سيناريو صادم يتمثل بتوافق السعودية وإيران, وتالياً “تيار المستقبل” و “حزب الله”, على رئيس تسوية “يرجح أنه قائد الجيش العماد جان قهوجي” تضعه خارج المعادلة نهائياً, فلن يخسر في هكذا حالة فرصة ترشيحه فقط, وإنما أيضاً فرصة كونه ناخباً أساسياً”.