مصادفة أن يزور المبعوث الاميركي السابق ريتشارد مورفي بيروت في عز أزمة انتخاب رئيس للجمهورية، ومع استعادة مشهد الفراغ الذي حذر منه العام 1988 بعنوان “إما مخايل الضاهر او الفوضى”، واستبداله بمشهد “إما العماد ميشال عون أو الفوضى”، يبدو مورفي الذي خبزته الايام وعجنته ساخراً من اللبنانيين الذين يلقي عليهم المسؤولية لما يجري قائلا: “انتم جيدون في القاء اللوم على الآخرين ولديكم نظرية المؤامرة تلك. فليتفق الموارنة على رئيس والامور تحل سريعاً بالصبر والتسامح”.
لم يكن مورفي يعرف غالبية السياسيين اللبنانيين آنذاك. تعرف الى مخايل الضاهر بعد خمس سنوات من خلال المرحوم النائب والوزير السابق الراحل نسيب لحود. لكن مورفي اليوم يعرف الجميع في لبنان على ما يبدو، ورغم تقدمه في العمر لا يزال يحتفظ بالابتسامة الديبلوماسية “الخبيثة” عندما تسأله عن هذا السياسي أو ذاك، أو عمن يراه الانسب ليكون رئيسا، ويتذكر جيداً، على ما يقول، البيان الذي أعلنه العماد ميشال عون من موقعه كقائد للجيش آنذاك برفض اتفاق مورفي – الاسد، خصوصا العبارات التي وردت فيه عن الحرية ورفض الارتهان والسيادة وغيرها.
يسخر مورفي من الكلام على انتظار توافق ايراني – سعودي او ايراني – اميركي. وفي رأيه يمكن حل مشكلة الرئاسة الاولى بالاتفاق بين اللبنانيين الذين يتوجب عليهم تلمس طريقهم بمفردهم وليس بالاعتماد على القوى الخارجية والتنصل من السمؤولية. يقول: “انتم جيدون في القاء المسؤولية على الآخرين ولديكم نظرية المؤامرة والصفقات التي تحبونها. لكنكم اخترتم رئيسا بمفردكم مراراً ويمكنكم فعلها هذه المرة أيضا، وعدم قبول املاءات القوى الخارجية”.
اذا اتفق الموارنة
يتذكر مورفي احداث العام 1988 وان الرئاسة الاولى كانت المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تعمل تلك الايام، وكان ثمة اتجاه الى انتخاب رئيس يغير مسار الحرب الاهلية آنذاك “لكن الامور لم تجر كما كنا نريد”. ويمضي في روايته “المقارنة” بالقول ان الامر يشبه ما يجري اليوم بفعل عدم الاتفاق بين اللبنانيين: “كان هناك اسم مخايل الضاهر فحملته الى دمشق، لكن الامور لم تنجح”.
ينحي مورفي باللائمة في ما يجري على اللبنانيين الذين يرى لديهم نزعة الى التضخيم والمبالغة وتبرئة الذات. يقول: “لا ارى أي دور للمبعوثين والسفراء الاجانب في ما يجري عندكم. عليكم الاتفاق في ما بينكم. العام 1988 كانت الامور تحتاج الى كبسة زر في واشنطن ودمشق، اما اليوم فلدمشق اهتمامات أخرى غير لبنان، ولا مصلحة للقوى الخارجية سواء اكانت اقليمية أم دولية في التورط في مجتمع معقد وصعب ومتنوع مثل لبنان”. يحمل مورفي الموارنة في شكل خاص المسؤولية عن عدم انتخاب رئيس وفي رأيه أنه “لو اجتمع الموارنة واتفقوا على مرشح معين ودعموه جميعاً فسيكون ذلك امراً جيداً للجميع. الامور تحتاج الى تفكير وطني للتوصل الى حل”. ولكن الديبلوماسي العتيق يدرك جيداً ان اتفاق الموارنة في ما بينهم من سابع المستحيلات. لم يتفقوا العام 1988 عندما كانت المدافع تدك مناطقهم فكيف لهم ان يتفقوا اليوم؟ لكنه رغم ذلك يعود الى تحميلهم لتبعة التوصل الى حل. يذكر مع ابتسامة عريضة بان كلمة compromise “التسوية” بالعربية، مطاطة جداً تتحمل الكثير من المعاني، لكنها بالنسبة الى البعض في لبنان قد تعني اموراً سلبية وايجابية او الخسارة والربح.
المخلص بـ65 صوتا
يضحك المبعوث الاميركي السابق والباحث في أحد مراكز الدراسات في الدوحة لدى سؤاله عن المرشح المفضل للرئاسة عند دولته ويرد بانه لا يعرف “المخلص الذي يجب ان يحظى بـ65 صوتا ويتفق اللبنانيون عليه”. ويشرح ما يعنيه بعبارة “اتفاق اللبنانيين”، بان الامور تحتاج الى الصبر والتسامح بين الفئات الداخلية المختلفة في لبنان. ولا حلول سحرية لدى المجتمع الدولي. الحل الوحيد يمكن ان يبتدعه اللبنانيون وممثلوهم في المجلس النيابي. أما انتظار انتهاء الحرب السورية واتفاق القوى الاقليمية فلا يحبذه صناع القرار في واشنطن ولا اوروبا. والكلام دائماً استناداً الى مورفي، الذي يعتبر ان ضغط الأزمة السورية كبير على لبنان مما يقتضي ان يتعامل الرئيس المقبل معها كمشكلة اساسية والتوصل الى معالجة الذيول اللبنانية، وهذا يطرح علامات استفهام كبيرة في رايه حول مشكلة اللاجئين السوريين التي تكاد أن تشبه مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في بعض جوانبها.
يدعو مورفي اللبنانيين الى عدم انتظار الحواري السعودي – الايراني والايراني – الاميركي رغم اثاره الايجابية والحلول التي قد يحملها الى المنطقة. المشكلة كما يقول ان لا توقيت محدداً لصدور هذه النتائج. ويشرح ان الرئيس الاميركي باراك أوباما مقتنع بضرورة التوصل الى حل لمشكلة الملف النووي الايراني رغم الانتقادات الكثيرة التي يواجهها من الكونغرس، ويضيف المفاوضات مستمرة في موازاة تطور العلاقات بين الرياض وطهران مما قد يساعد اللبنانيين في اختيار رئيس، لكن على اللبنانيين ان يبادروا وينتخبوا رئيساً، وهم قادرون على القيام بذلك انطلاقاً من فكرة التسوية، وعدم انتظار املاءات خارجية.