انتخابات عبر الحدود إهانات.. بلا حدود

لم تكن صورة الانتخابات على الحدود اللبنانية السورية شبيهة بتلك التي حصلت على أبواب سفارة النظام السوري. ففي الشمال، كانت الحركة أقلّ من عادية، وسط مقاطعة واضحة من النازحين السوريين. وفي المصنع، نشطت صباحاً وتراجعت ظهراً، وبالتالي لم تكن هناك أرقام «عجائبية» في نسب المقترعين، رغم الصورة الإعلامية التي حاول فريق 8 آذار إبرازها دعماً للمرشح القاتل بشار الأسد ولمسرحياته الهزلية المعروفة.

لا شك في أن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية، لجمت نوعاً ما عروض القوة لشبيحة الأسد وبقاياها في لبنان، إلا أن «حزب الله» كان واضحاً في لعب دور البطولة في المسرحية الفاشلة، حيث صادر هويات السوريين في مناطق الهرمل وبعلبك، واقترع بها على الحدود، ووعد أصحابها بإعادتها إليهم. كما أن باصات جامعة عبدالرحيم مراد، كانت في خدمة نقل السوريين إلى المصنع، لاستكمال المهزلة، وحيث رصدت أيضاً دخول أشخاص ومجموعات عبر الخط العسكري الذي يذكّر بزمن الوصاية، حيث كان العابرون لهذا الخط يمرون بتصريحات خاصة، وسرعان ما يعودون إلى لبنان متوّجين بسلطة رسمية.

اللبنانيون كانوا أمس مرتاحين للإجراءات الأمنية التي اتخذت شمالاً وبقاعاً، مواكبة للانتخابات السورية، ولمنع احتمالات حصول توتر أو زحمة سير، نتيجة تجمعات السوريين الراغبين في التوجه إلى صناديق الاقتراع في انتخابات الذل و»الواتس أب» التي تحصل في سوريا، إلا أنهم أيضاً كانوا متفاجئين من ذهاب لاجئين لانتخاب من قتلهم وشرّدهم ودمّر منازلهم رغم معرفتهم بالضغوط التي تعرّض لها البعض من المخابرات الأسدية ومن أيديها العاملة بستار أحزاب لبنانية المنشأ وبعثية الانتماء.

يتحدث عضو كتلة «المستقبل» النائب عاصم عراجي بلسان الناس وأهل البقاع المصدومين من صورة ما تناقلته وسائل الإعلام عن انتخابات الدم ومشاركة السوريين في لبنان، بهمة ونشاط منقطع النظير لأحزاب الممانعة التي تحركت طوال الليل وفي الفترة الصباحية لنقل الناخبين السوريين إلى صناديق الاقتراع على الحدود في منطقة المصنع، واصفاً المشهد بـ»المحزن»، ويقول: «أمر مؤسف ما يحصل، وكأن اللبنانيين الذين استقبلوا السوريين الهاربين من حقد بشار الأسد عليهم «طلعوا بسواد الوجه»، مشيراً إلى معلومات يتم تداولها عن أن أعداداً من السوريين تم إدخالها إلى الأراضي السورية بباصات تنظيمات محلية لبنانية موالية للنظام السوري عن طريق الخط العسكري»، ويقول: «أمر مؤسف حقيقة، إذ إن باصات حزب الله وعبدالرحيم مراد قامت بواجباتها في خدمة بشار الأسد وفق تنظيم مسبق، وغير معروف ما إذا كان المنتقلون سوريي الهوية فقط أم أن من بينهم لبنانيين».

ويتخوف من تأثيرات وتداعيات صورة الانتخابات السورية على العلاقات القائمة بين اللاجئين السوريين ومستضيفيهم في القرى اللبنانية التي لجأوا إليها، فالناس أمام ما شاهدوه فوجئوا بما جرى، ويقول: «يجب ألا ننسى أن اللاجئين السوريين إلى لبنان في جزء كبير منهم أتوا هرباً من الحرب والقتل والظلم الذي عانوا منه نتيجة ممارسات النظام ولكن كان يجب ألا يرضخوا ويقوموا بما قام به بعضهم من الاستسلام والخنوع تحت حجة الضغط عليهم وأن ينتخبوا من تسبب بتشريد عائلاتهم، وإذا كان البعض يريد انتخاب الأسد فلماذا على اللبناني أن يتحمّل وجوده في لبنان ووزر حمايته؟ فانتخابه لبشار يعني أنه قادر على الذهاب إلى بلده والبقاء فيه وليس معرضاً لأي ملاحقة من قبل هذا النظام».

وبرأي عراجي فإن اللاجئين لا يتحملون المسؤولية فقط ، فقد«تخلى العالم بأكمله عن واجباته تجاه الشعب السوري، والصورة التي قدمها العالم الأول سواء كانت الولايات المتحدة الأميركية أم دول الاتحاد الأوروبي هي صورة التخاذل وليس صورة إنقاذ الأبرياء وحماية حقوق الإنسان التي يدّعيها، لقد تحمّلنا في لبنان مسؤولية النازحين السوريين ووعدنا بمساعدة ولكن في النهاية لم يتلق لبنان الدعم الموعود والضروري وهو اليوم يتحمّل العبء وحده». ويضيف: «ما يحصل في سوريا لعبة كبيرة، إذ أخذوا من بشار الأسد السلاح الكيماوي ثم قالوا له إفعل ما تريد، أي إبقَ رئيساً، فيما لم يجرِ تقديم الدعم الحقيقي للمعارضة السورية عسكرياً وسياسياً، وسمحوا لـ»حزب الله» بالقتال في سوريا وبتدخلات لهذا وذاك في الحرب السورية إنقاذاً للأسد وليس للتخلص منه».

ولا يعوّل على التحركات «التي حصلت من قبل المعارضة ضد انتخابات السفارة أو الحدود، لأن ردّ الفعل كان غير موازٍ للفعل وكأن المعارضة استسلمت للواقع، حيث لم يلتزم الغرب أي مساعدة لهم من أجل أن ينتصروا على الأسد».

ويحذّر «ربما تنجح أميركا أيضاً في المفاوضات في نزع السلاح النووي من إيران والاتفاق معها على سوريا والعراق ولبنان ويقولون لنا بعد ذلك هذا هو الرئيس اللبناني الجديد فاذهبوا وانتخبوه». ويلفت إلى أن الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما يهمها النفط والغاز ومصالحها الاقتصادية وإبقاء هيمنتها ولا يهمها حقوق الإنسان في بلدان العالم الثالث»، موضحاً «هذا ما يقوله الناس وأنا لم يعد بإمكاني إلا التعبير عن حال الناس».

ولا يتوقع عراجي حصول مواجهات لبنانية سورية على الأراضي اللبنانية، مشيراً إلى أن «اللبنانيين يتّكلون على السوريين في الأعمال الزراعية وفي البناء وغيرها وهؤلاء محميّون من لبنانيين ويجري تسهيل معاملاتهم».

ويؤكد أن «اللبنانيين لم يقصّروا بحق السوريين، إذا اعتقل معارض سوري كانت منظمات حقوق الإنسان في لبنان والأحزاب في قوى 14 آذار تتحرك من أجل عدم إعادته إلى سوريا، إذا كانوا يختارون اليوم تحت الضغط بشار الأسد فلا يجوز أن ندفع نحن الثمن، لا سيما في المناطق ذات الأغلبية السنية».

أما النائب معين المرعبي، فيشير إلى أن اللبنانيين في مناطق الشمال والمناطق الأخرى المعادية للنظام السوري المجرم الذي دمّر المدن اللبنانية وقتل الشعب اللبناني وسجن واعتقل الآلاف من اللبنانيين وعذبهم وما زال عدد كبير منهم في عداد المفقودين في سجونه، نتيجة معاناتهم من النظام السوري، لا يمكن أن يقبلوا بأن يكون بينهم أشخاص يتبعون سياسة المجرم وهذا حق لهم في رفض هؤلاء بين صفوفهم ولكن في الوقت نفسه نحترم خياراتهم إذا أرادوا انتخاب قاتلهم، نحن مع حقوقهم الديموقراطية، إن كان بالإقناع والإرهاب ذهبوا لانتخابه، فهو شأن خاص بهم أن يخضعوا ويستجيبوا لهذه الممارسات، ويعطوا صورة بأن بشار الأسد محبوب من اللاجئين الذين هجرهم ومارس عليهم التطهير العرقي والمذهبي والديني. لكن هذا المنطق لا يقبله عقل اللبنانيين، أن يقوم لاجئ بالعودة لينتخب ويختار بشار الذي مارس عليه كافة الأعمال الإرهابية والذبح والقتل بالسلاح الكيميائي والبراميل المتفجرة ودمر مدنه ومنازله، هذا شأنه، ولكن شأننا كلبنانيين وشخصياً أن لا يكون عندنا عاطفة تجاه من ينتخب هذا المجرم».

وعن قرار الحكومة اللبنانية نزع صفة لاجئ عمّن يدخل وينتخب في سوريا، يوضح أن «ليس لهذا القرار أي علاقة بأي شكل من الأشكال بالانتخابات السورية، وإن كان النظام وأذنابه يحاولون أن يصوّروا الأمر وكأنه لمنع قيام اللاجئين باختيار بشار الأسد فهي محاولة فاشلة».

ويشير إلى أن «الموارد المخصصة للاجئ السوري من قبل المؤسسات الدولية لا تكفي من أجل تقديم الإيواء والإغاثة وخدمات الاستشفاء للاجئين السوريين في لبنان، من هنا عندما تخفف أعداد اللاجئين الذين لا يستحقون هذه الصفة، نكون حقيقة ندعم ونقدم المساعدة إلى من يستحق هذا الأمر، وبطبيعة الحال وضمن القانون الدولي لمعايير اللاجئين، لا بد من تحديد من تنطبق عليه صفة لاجئ أو نازح أو مهاجر، كل من يستطيع الدخول إلى بلده أو المكان الذي كان فيه فهو غير لاجئ، إذ إنه يدخل ويخرج ويزور عائلته وأرزاقه وأملاكه، وهو بالتأكيد قادر على العيش في وطنه، وتنتفي عنه صفة اللجوء، ويصبح مهاجراً اقتصادياً. نحن كلبنانيين، لا يمكن ان نحتمل هذا العدد الهائل ممن يسمون أنفسهم لاجئين، ويحضرون إلى لبنان ويعملون فيه وفقاً لقوانين اللجوء الدولية. أما المهاجر الاقتصادي، فهو يحتاج إلى رخص رسمية ووثائق وفقاً لقانون العمل في البلد المضيف، وعندما تحدد من هو اللاجئ والمهاجر نخفف الضغط على الاقتصاد اللبناني والشعب اللبناني الذي يعاني الأمرّين من أجل إيجاد فرصة عمل ولقمة عيش لاطفاله وعائلته«. ويتابع من هنا نقول ان منافسة العمالة السورية لليد العاملة اللبنانية غير شريفة، فعدد السوريين المسجلين قاربوا المليون ونصف المليون، وهذا فوق امكانية لبنان. المشكلة القادمة في لبنان والتي تمس كل مواطن لبناني هي موضوع الكهرباء، إذ يجب على الشبكة تأمين التغذية لأربعة ملايين ونصف مليون لبناني بالاضافة إلى مليون ونصف مليون سوري، أي أن لبنان يحتاج الى 30% طاقة زيادة من أجل التغطية، خصوصاً وأن الدولة تدفع سنوياً ما يقارب مليارين و250 مليون دولار دعماً لقطاع الكهرباء. نحن اليوم مضطرون الى أن نعاني تقنيناً قاسياً وقاسياً جداً لأن الطاقة المنتجة لا تكفي الاربعة ملايين ونصف المليون، فكيف ستكفي 6 ملايين شخص؟! وهذا يشكل ضغطاً اضافياً على الشعب اللبناني ويزيد من المشكلات بين اللبنانيين والمهاجرين الاقتصاديين السوريين الذين لا يحق لهم الحصول على صفة اللاجئ ويأخذون الاغاثة من افواه من يستحقون من السوريين وحتى من أفواه اللبنانيين».

ويوضح أن «هناك خوفاً من قبل مفوضية اللاجئين من أن تذهب أسماء اللاجئين المسجلين عندها لبعض الأجهزة الأمنية، وهذا ما جنته براقش على نفسها، نحن اول من أدخل اللاجئين السوريين إلى لبنان نتيجة معاناتهم. وجاء النساء والأطفال. طالبنا بإنشاء مخيمات، الاّ ان «حزب الله» وملحقاته رفضوا ذلك، لا لشيء إلاّ لأنهم كانوا من العائلات الخاضعة للنظام السوري، وأرادوا أن ينجوا بحياتهم في لبنان. ونتذكر تصريحاتهم بنفي وجود لاجئين في لبنان، وأنه غير صحيح أن أعداداً كبيرة موجودة منهم في لبنان. والقول إن هؤلاء عادوا إلى بلادهم، كان هناك سيمفونية يرددها العنصريون. واليوم نتيجة الفوضى التي حصلت في البداية، نعاني من هذا الموضوع، علماً ان لبنان أحد الأعضاء المؤسسين في الأمم المتحدة وعليه اتباع أنظمتها ومنها أوضاع اللاجئين ووجوب استقبال اي لاجئ من أي بلد يعاني ابناؤه القتل والظلم والارتكابات غير الانسانية. نتيجة هذا الأمر، وصلت الأمور إلى هنا، مفوضية اللاجئين عليها حماية الناس واللاجئين. لا سيما وأن بعض العناصر الأمنية سلموا بعض اللاجئين إلى النظام السوري، من بينهم شبلي العيسمي، وأنا شاهد على العديد من الحالات، حيث حاولوا اختطاف لاجئين سوريين لا بل جرحى من المستشفيات، وبعضهم كان في حالة «الكوما«. فموضوعياً ومنطقياً، المفوضية لديها الحق في ان لا تثق بأحد في هذا الخصوص لا سيما في لبنان، حيث الدولة اللبنانية مسيطرٌ عليها كلياً من حزب الله، ولا سيما بعض الأجهزة الأمنية. وقد شاهدنا بأم العين الاعمال التي مارسها عناصر من هذه الأجهزة، ومن الطبيعي ان لا تعطي المفوضية لوائح اسماء النازحين، لكن الأمر أسهل من ذلك، فبإمكان الدولة اللبنانية ان تحصي كل شخص وصل إلى الحدود وتُعدّ لوائحها وتسلّمها إلى المفوضية، وبالتالي يكون لدى المفوضية لائحة والحق في اسقاط صفة اللاجئين عنهم ومنع المساعدات. وفي ذلك تسهيل لعمل المفوضية في ان يكون لديها الدليل الحسي عن ان هؤلاء غير لاجئين، بل هم أتوا لاستخدام المصادر التي تدفع وتصرف عليهم وهم لا يستحقون ذلك، وهذا ايضاً يسحب البساط من تحت البعض في الأمن العام بحجة أن المفوضية لم تعطنا الاسماء، وبالتالي لا يمكننا المقارنة تماهياً مع بشار الاسد والنظام الأسدي، والتسجيل يسحب هذه الحجة ايضاً«.

وعن الدخول والخروج على الحدود ليلاً ونهاراً، ليس مهماً إلا «للخائفين« من انهم اذا لم ينتخبوا بشار ستحصل عملية انتقام من عائلاتهم وأهلهم داخل سوريا وخارجها. فنحن نعرف ان هذا النظام الديكتاتوري والذي دمر سوريا وقتل 200 ألف من شعبها وخلّف مليون معوق وهجّر 10 ملايين، كيف سيكون بإمكان المواطن السوري التصديق ان بامكانه القيام بعملية ديموقراطية عبر الانتخاب بينما الاسد غير حريص على روحه وازدهار بلده».

ويعتبر ان «ما شاهده اللبنانيون هو تهرب من الدخول إلى سوريا بواسطة المعابر العسكرية واللاشرعية من قبل سوريين فقراء بحاجة للذهاب إلى سوريا من أجل الا ينتقم منهم هذا السفاح، وكان يجب ان تغلق المعابر غير الشرعية من قبل السلطات اللبنانية قبل وقت طويل، واتخاذ كل التدابير لحماية الحدود اللبنانية، وأن يقوم الجيش اللبناني بالانتشار على الحدود المعلومة ـ المجهولة، وليس القبول، بحجج واهية من نوع الحاجة إلى الغطاء السياسي أو عدم وجود القوة الكافية، إذ كان بالامكان استدعاء الاحتياط، والذي لا يكلف الدولة اللبنانية أكلافاً زائدة، فكل عسكري متقاعد هو عسكري احتياطي لمدة عشر سنوات، وبالامكان الاستفادة منه وتجنيد 50 الف عسكري للقيام بهذه المهمة، ومساعدة القوى الأمنية في حال طلب منهم مساعدة القوات الموجودة على الخدمة المطلوبة، بدل التماهي مع مطالب حزب الله وما يريده بشار الأسد، مع ان الأمر لا يحتاج إلى غطاء سياسي كما يقال، لأن هناك قراراً صادراً من مجلس الوزراء في العام 1990 ايام الرئيس الياس الهراوي يسلم فيه كافة مهام حفظ الأمن في لبنان وعلى الحدود إلى الجيش اللبناني، ولم يصدر لاحقاً أي قرار يوقف هذا الأمر، والأعذار التي نسمعها غير صحيحة، وتستخدم من اجل التهرّب من تحمّل المسؤولية، والتغطية على ما يقومون به، من دخول وخروج من سوريا لقوات حزب الله. واذا كان هناك رأي عام حي في لبنان، عليه أن يحاسب المسؤولين عن ذلك، كائناً من كانوا».

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل