
علمت «الحياة» من مصادر نيابية بأن القضايا الإقليمية كانت الأكثر حضوراً في لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري ووزير الخارجية الاميركي جون كيري.
لكن الهموم الإقليمية التي طغت على اللقاء لم تحجب الأنظار عن الوضع الداخلي في لبنان في ظل الفراغ في سدة الرئاسة الأولى بعد تعذر انتخاب رئيس جمهورية جديد. وأكدت المصادر أن كيري يعلق أهمية خاصة على دور بري في المرحلة الدقيقة التي يمر فيها لبنان، لا سيما بالنسبة إلى ضرورة تضافر الجهود لانتخاب الرئيس اليوم قبل الغد.
ونقلت المصادر نفسها عن كيري أن ليس لدى الولايات المتحدة أي مرشح لرئاسة الجمهورية وأنها لا تضع فيتو على أحد وأن ما يهمها الحفاظ على المؤسسات الدستورية وتفعيل دورها وأن هناك ضرورة لحماية الاستقرار العام إلى حين تتوافر الظروف لانتخاب الرئيس، إضافة إلى تحذيره من تعطيل هذه المؤسسات وشل قدرتها على العمل لأن الفراغ في الرئاسة الأولى لا يعالج بفراغ آخر وإنما بالإبقاء على المؤسسات القادرة على توفير الأجواء لانتخاب الرئيس.
أما بالنسبة إلى لقاء بري – عون فقالت المصادر إن جنبلاط لم يفاجأ به لأن الأول أعلمه به قبل حصوله لحرصه على التنسيق معه. ولفتت إلى أنه غلب على اللقاء طابع المجاملة وأن عون كان المبادر إلى طلب عقده لأنه يرغب في كسر الجليد المسيطر على العلاقة بينهما والذي زاد من وطأته كلامه عن ثلاثية تجمعه بكل من الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، وزعيم تيار «المستقبل» سعد الحريري باعتبار أنهم الأقدر من خلال تعاونهم على إدارة شؤون البلد.
وأكدت أن عون رأى ضرورة لرأب الصدع في علاقته ببري وهذا ما يفسر إشادته بدور رئيس المجلس وبموقعه الأساسي في المعادلة السياسية، في هذا الظرف الاستثنائي.
وقالت إن عون نجح في تصحيح علاقته ببري. وكشفت أن الانتخابات الرئاسية نوقشت في اللقاء، وقالت إن بري يدعم ترشح عون لكن ما يهمه التعاون من أجل توفير الأجواء لعقد جلسة نيابية تخصص لانتخاب الرئيس لأن المعطيات الراهنة ما زالت على حالها ولم تتبدل. كما بحثا في تفعيل دور الحكومة وتهيئة الأجواء لمعاودة انعقاد الجلسات التشريعية.
كما أن بري، وإن كان يدعم إقرار قانون انتخاب جديد، فإنه في المقابل – وبحسب المصادر النيابية – يتخوف من أن يواجه إقراره المشكلة نفسها التي واجهها في السابق وأدت إلى تعليق البحث فيه وبالتالي، فإن إجراء الانتخابات على أساس قانون 1960 يبقى هو الراجح.
..وعون يلوّح بإجراء الانتخابات النيابية ويعرف أن القرار بيد «حزب الله»
يقول أحد الوجوه البارزة في قوى 14 آذار انها تمر حالياً بمرحلة تصريف الأعمال مثلما هي الحال القائمة في البلد، ويعزو السبب الى انها تنتظر ما سيؤول اليه الحوار الجاري بين تيار «المستقبل» و «تكتل التغيير والإصلاح» برئاسة العماد ميشال عون، على رغم ان عضو التكتل وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل يُشعر مجلس الوزراء بأنه يستقوي بهذا الحوار على رئيس الحكومة تمام سلام ويحاول أن يبتدع خريطة طريق جديدة لتنظيم العلاقة في داخله، مع انه يدرك ان تصرفاته تتناقض والنصوص الواردة في الدستور حول كيفية إدارة المرحلة المترتبة على تعذر انتخاب رئيس جمهورية جديد.
ويؤكد هذا الوجه البارز أن باسيل لا يملك القدرة على إيجاد ناظم جديد للعلاقات داخل مجلس الوزراء على حساب التقيد باتفاق الطائف، وبالتالي يحاول أن يتشاطر لبعض الوقت لئلا يتجاوز حدوده من جهة ويفرّط بالحوار المفتوح بين «تكتل التغيير» و «المستقبل» الذي لن يساوم مهما كلف الأمر على الصلاحيات المناطة برئيس الحكومة.
ويخشى من ان يكون عون يفكر في استحضار التجربة المريرة التي مر فيها لبنان نتيجة تعذر انتخاب رئيس جديد عام 1988 خلفاً للرئيس أمين الجميل الذي عيّنه رئيساً للحكومة العسكرية واستقوى في حينه بنصفها لمنع عقد البرلمان لانتخاب الرئيس.
ويعتقد أن عون وإن كان يدرك ان الظروف السياسية التي كانت وراء تعيينه رئيساً لحكومة عسكرية آنذاك تغيرت، فإنه في المقابل لا يتردد في إقحام البلد في مغامرة سياسية جديدة، خصوصاً انه دخل المعترك السياسي من باب الفراغ في سدة الرئاسة الأولى…
ويحمل الوجه البارز إياه بشدة على عون ويتهمه بأنه يعشق الفراغ وهو يتلاقى في إصدار الأحكام بالنيات عليه مع ارتفاع منسوب المخاوف لدى عدد من السفراء الغربيين المعتمدين لدى لبنان من ان يستعيد عون التجربة نفسها التي خاضها في العام 1988 ما لم ينتخب رئيساً للجمهورية باعتبار انه لن يتخلى عن شعاره «أنا أو لا أحد».
وتوقف المصدر أمام حرص كيري على مهادنة «حزب الله» وعدم استخدامه المنصات الرسمية التي تحدث منها لإطلاق صواريخ سياسية مناوئة له، وإلا لم يكن مضطراً لدعوته الى التعاون مع روسيا وإيران لوضع حد للحرب الدائرة في سورية.
ويؤكد المصدر ان دعوة عون الى إجراء انتخابات نيابية لاختيار برلمان جديد لانتخاب الرئيس تبقى في حدود المزايدة وممارسة الضغط ليأتي الرفض من “14 آذار” ويسارع الى استغلاله شعبوياً مع انه يعرف قبل سواه ان القرار في هذا الخصوص يعود أولاً وأخيراً الى “حزب الله”.
ويتابع “ان عون عودنا على اتخاذ مواقف في السابق أوحى من خلالها بأنه لن يتراجع قيد أنملة، لكنه اضطر للرضوخ لإرادة «حزب الله» وبادر الى صرف النظر عنها. وإلا لماذا اضطر الى انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية على رغم انه كان يعارض انتخابه، أوَلم يستجب لرغبة الحزب في هذا الشأن”؟
إلا ان هذا الوجه البارز يرى ان إجراء الانتخابات في المهلة المحددة لها والواردة في صلب التمديد للبرلمان قد لا يعدل في ميزان القوى بشكل يدعو عون للاطمئنان الى ان حظوظه لن تتراجع في خوض الانتخابات الرئاسية مع انه يعتقد ان أمامه فرصة قد تكون الأخيرة للوصول الى الرئاسة وإلا سيكون في وضع مشابه لوضع عميد حزب «الكتلة الوطنية» الراحل ريمون إدة الذي عرف عنه أنه المرشح الدائم للرئاسة.
وفي المقابل تتفاوت الآراء داخل “14 آذار” من احتمال إجراء الانتخابات النيابية في أيلول (سبتمبر) المقبل، أي قبل انتهاء فترة التمديد للبرلمان في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، اذ إن بعض الأطراف فيها بدأوا يعدّون العدة لمواجهة كل الاحتمالات بما فيها خوض المعركة الانتخابية وعدم الاستخفاف بإتمامها، بينما البعض الآخر لم ير حتى الساعة ملامح تدفع في اتجاه الاعتقاد بأنها ستجرى وأن لا مجال للتمديد للبرلمان…