Site icon Lebanese Forces Official Website

“الجنرال” والحلم الضائع (جزء 1)

العماد ميشال عون كان واحداً من هؤلاء الضباط الذي ساعدته الظروف إلى تولي منصب قائد الجيش، لكن طموح “الجنرال” لم يكن معلناً دائماً الا ان ادائه منذ عام 1984 وحتى اليوم لا لبس فيه بل واضح وصريح: الحصول على لقب فخامة الرئيس، وما عدا ذلك تفاصيل. فمنذ صدور مرسوم تكليفه في اللحظات الأخيرة من عهد الرئيس السابق أمين الجميّل برئاسة الحكومة الانتقالية لتأمين انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية ومسلسل البحث عن حلمه مستمر.

قد يبدو للوهلة الأولى أن العماد عون يملك موهبة لا حدود لها في تغيير العقول، ولكنه حتى الآن لم يتمكن من تغيير المعادلات، داخلية كانت أم إقليمية أم دولية، وحسابات اللحظة الأخيرة يبدو أنها لم تتطابق مع بيدر طموحاته. واللافت ان “الجنرال” يتحدث عن موقع رئاسة الجمهورية كأنها حق طبيعي له وحده، وبالتالي طالما لم يتمكن من الجلوس على هذه الكرسي، يبقى هذا الحق ضائع ويجب أن يسترجعه… أو إلى ما هناك من كلام وأقاويل وتصاريح في هذا المنحى تصدر عنه.

من العام 1988 وحتى كتابة هذه السطور، العمل مستمر ودؤوب ومن دون كلل أو ملل للوصول الى الكرسي الأول في بعبدا، والنتيجة عدميّة مطلقة.

جولة على دورة الأعوام في المسيرة السياسية لـ”جنرال 13 تشرين” تكشف تلك الرغبة الدفينة والملتهبة للوصول إلى قصر بعبدا رئيساً مهما كان الثمن، ولو جاء ذلك على حساب استقرار اللبنانيين وأمنهم وحياتهم ومستقبلهم.

1984:

–       ما ان تولى العماد ميشال عون قيادة الجيش حتى احاط نفسه بفريق عمل سياسي وعسكري يخطط ويسعى لتسويق فكرة تولي الرئاسة، في الداخل وفي بعض الخارج. سجل “الجنرال” بعض الاختراقات لكنها لم تكن كافية.

1986:

–        ادرك عون بنهمه الرئاسي ان الوصول الى الرئاسة في ذلك الوقت له بوابة كبرى هي دمشق فبدأ يعطيها الإشارات التي تقربه منها. ففي 15 كانون الثاني 1986 وبعد نجاح الدكتور سمير جعجع في اسقاط “الإتفاق الثلاثي” السوري التوجّه” اتصل العماد عون بجعجع وبادره بالقول: “انا قائد الجيش واواجه ضغوطاً كثيرة من السوريين. لقد اتصل بي العماد حكمت الشهابي اكثر من عشرين مرة اليوم ولا استطيع ان ابقى صامتاً. ايلي حبيقة يريد ان يستسلم وأنا لا استطيع بعد الآن الوقوف على الحياد”.
ما معنى انه لا يستطيع الوقوف على الحياد فالمفترض به ان لا يقف على الحياد ابداً بل ان يكون في طليعة المتصدين للإتفاق الثلاثي نظراً لطبيعة هذا الإتفاق المجحف بحق لبنان والمسيحيين لا في طليعة المدافعين عن موقّعيه. الا ان قوله هذا اثبت بما لا يقبل الشك انه كان من المباركين للإتفاق الثلاثي خصوصاً ان ايلي حبيقة كان يضعه في اجواء المفاوضات ويحاول استمالته الى صفّه ملوحاً له بعلاقة مستقبلية باهرة مع سوريا وبتحقيق طموحات كبيرة عنده، أبرزها رئاسة الجمهورية.

1988

–       أحبط العماد عون المشروع الذي كان يعمل عليه رئيس مجلس النواب حسين الحسيني لتأمين جلسة انتخاب رئيس للجمهورية، خوفاً من أن يصل الرئيس السابق سليمان فرنجية إلى كرسي بعبدا بعدما استخدم السوريون ورقته كتكتيك لإثبات حسن نيّتهم حياله، وهم مدركون ان عون سيعمل على تعطيل الجلسة لأنه لم يكن ليرضى برئيس غيره.

–       عشية انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل عام 1988، كانت الأجواء توحي للعماد عون بأن السوريين يؤيدون وصوله الى قصر بعبدا بعدما توصلوا الى صفقة بين الولايات المتحدة وسوريا تقضي بتمرير مشروع الإصلاحات الدستورية في لبنان وتأمين المصالح السورية فيه مقابل تعهد سوريا بتأمين ترتيبات امنية لإسرائيل في الجنوب. ازاء هذا حاولت الولايات المتحدة الضغط على المسيحيين للقبول بهذه الصفقة الا ان محاولاتها جوبهت بالرفض التام من قبل “القوات اللبنانية” والرئيس امين الجميل.
ومع هذا التعقيد، فتحت سوريا قناة اتصال بين وزير دفاعها مصطفى طلاس وبين العماد عون لتمرير الصفقة على ان تتعهد سوريا بدعم ترشح عون لرئاسة الجمهورية شرط ان يبدي قدرة على ضرب المعارضين للصفقة. وكان اثبات حسن النية هذا عبر انزال الجيش على الطرقات بكثافة في 4 ايار 1988 بحجة البحث عن السيارات المخالفة. وقد تعرّض الكثير من ضباط وافراد “القوات اللبنانية” وقتها للضرب والإعتقال قبل أن يتدخل الرئيس امين الجميل شخصياً عندما وجد الأمور ذاهبة الى المواجهة المباشرة، فاستدعى عون وطلب منه وقف تحركاته المريبة. هذا ما آل اليه اثبات حسن النية العوني الا ان المطلوب السوري كان اكبر بكثير.
–  في صيف ذاك العام تحديداً قرر العماد عون ان يبعث ببرنامج ترشّح رئاسي مؤثّر للرئيس السوري حافظ الأسد تضمّن اعلان ولائه للرئيس حافظ الأسد كضابط صغير في جيشه. محاولات عون لكسب الرضى السوري تحوّلت الى مفاوضات بدأها المحامي فايز القزي الذي طرح في سوريا افكار عون، معتبراً انه يستطيع مواجهة الميليشيات كلها وتأسيس تفاهم حقيقي مع سوريا. وفي تلك المرحلة كانت تنشط زيارات النائب البير منصور والمحامي فايز قزي لبحث امكان وصول عون إلى سدة الرئاسة مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام. لكن الإيحاءات السورية “تبخّرت” كلها مع طلب الرئيس الأسد من النائب ميشال المر اقتراح اسم لرئاسة الجمهورية “لأن عون غير مناسب للرئاسة”، فاقترح عليه اسم مخايل الضاهر. تلاشى أمل عون بتسميته مرشحاً للرئاسة من القيادة السورية، فغضب كثيراً ولم تخفف غضبه العروض التعويضية كأن يكون وزيراً للدفاع او كالقول له ان رئاسة الضاهر ستكون انتقالية وانه سيكون الرئيس الذي سيخلفه اذا ما أمّن انتخابه فرفضها جميعاً.

–       شاءت الظروف ان تتعسر عملية انتخاب رئيس للجمهورية مما اضطر الرئيس امين الجميل الى ان يوقّع وفي الربع الساعة الاخير مرسوم تشكيل الحكومة العسكرية من اعضاء المجلس العسكري الستة وعهد في رئاستها الى العماد عون. واعتبر “الجنرال” ان نصف حلمه بالوصول الى الرئاسة قد تحقق، اما النصف الآخر فقد تعهد لنفسه تحقيقه مستعملاً كل الوسائل التي أمّنها له وصوله إلى رئاسة الحكومة.

1989:

–        اخبر رفيق الحريري المحامي فايز القزي بمضمون الحديث الذي دار بينه وبين الرئيس حافظ الأسد وأهم ما جاء فيه انه لا مانع لدى الأسد من انتخاب عون رئيساً للجمهورية. فنقل قزي الى عون الحديث حرفياً، الا ان الأخير لم يثق برغبة حافظ الأسد هذه واعتبرها مجرد مناورة خصوصاً انه كان قد قدّم كامل ولائه في السابق ولم يلق الا الخيبة.

–       أوحى بعض المنظّرين لعون ان حرباً على سوريا ستلقى هوى في نفوس الرأي العام الداخلي والدولي، وبمساعدة من الغرب والولايات المتحدة. وبرضى من العرب قد تؤدي هذه الحرب الى حرب اسرائيلية – سورية تفضي إلى انسحاب سوري من لبنان فيصبح “جنرال” لبنان سيمون بوليفار اميركا الجنوبية، وتصبح الرئاسة معقودة اللواء له وله وحده. عندها بدأ العماد عون حرب التحرير فجأة بتاريخ 14 آذار 1989 وذلك بقصف مدفعي طاول المراكز السورية ومعها حصد ارواح الكثير من اللبنانيين شركائه في الوطن. لكن الجنرال، رغم الخسائر الكبيرة التي فرضها على المنطقة الشرقية، خسر حربه الاولى.

–       رفض العماد عون إتفاق الطائف تحت عناوين عدة، إذ اعتبر ان هذا الاتفاق لا يصنعه رئيساً، ووصل به الرفض إلى حدِّ القول: “يستطيع العالم أن يسحقني لكنه لا يستطيع أن يأخذ توقيعي”. حاول كثيرون أن يُقنعوا “الجنرال” بأن يوافق على “الطائف” وأن يدخل في الحل الذي أدى إليه، وحين كان يُحشَر كان يقول: “إمشي بإتفاق الطائف ولكنه يحتاج إلى “فاصلة” أو Epsilon ليصير مقبولاً”. إحتار مفاوضوه في التعديل الذي يريده العماد عون وفي الـ Epsilon التي يريد إدخالها، لكن الأمر إستعصى عليهم ليكتشفوا أخيراً ما كان واضحاً أولاً وهو أن “الطائف” يكون إتفاقاً جيداً إذا أوصل العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، لكنه يكون اتفاقاً عاطلاً إذا لم يوصله إلى رئاسة الجمهورية.

وهكذا كان، فقد بقي العماد عون وقتاً طويلاً لا يعترف بمفاعيل الإتفاق، وحين كان يُسأل عن السبب، وهو المعروف عنه قناعاته الإصلاحية، كان يُجيب: المشكلة في إتفاق الطائف ليست في بنودِهِ الإصلاحية بل في الشقّ المتعلق بالعلاقات اللبنانية – السورية. بسحر ساحر، عام 2005، وبعد خمسة عشر عاماً على إتفاق الطائف، انخرط العماد عون في الطائف وخضع لمفاعيله وخاض الإنتخابات النيابية، وعام 2007 طرح نفسه مرشّحاً للرئاسة، وفق دستور الطائف، وشارك في الحكومات بموجبه علماً ان “الفاصلة” أو الـEpsilon التي كان يطالب بها لم تُوضَع. وهذا ما يثبت ان “الجنرال” لا يملك الحس السياسي في قراءة المستجدات لبنانياً وإقليمياً ودولياً. لذلك فقد ارتكب سلسلة من الأخطاء من أول يوم وصل فيه إلى لبنان بعد منفاه الطويل، إن لم نقل إن الأخطاء بدأت معه مذ ان شن حرب “التحرير” كما أسماها، ضد الوجود السوري في لبنان. وكان بإمكانه أن يختصر المسافة على نفسه وعلى لبنان وينخرط في العملية السياسية لو أنه قرأ المعادلة الجديدة بعد “الطائف” كما ينبغي أن تُقرأ. وربما كان سيجد أنصاراً كثراً له في لبنان. لكنه أبى وكابر وقاتل وانهزم، وكان مصيره اللجوء إلى السفارة الفرنسية ثم المنفى في باريس.

1990:

–       قبل ان يهضم الهزيمة بعد “حرب التحرير” ارتد على “القوات اللبنانية” لأن بعضاً من مستشاريه واركانه صوّر له انه في الغاء “القوات اللبنانية” التي كانت تقاسمه السلطة في المنطقة الشرقية يصبح الممثل الشرعي والناطق الرسمي الوحيد باسم المسيحيين Le Seul valable interlocateur، وتؤول الرئاسة اليه. هيأ الجنرال لحربه اعلامياً وأمّن التعبئة الضرورية ضد “القوات”، وبمساعدة بعض الخارج بدأ حربه الخاسرة الثانية التي عرفت بـ”حرب الالغاء” في حين اسبغ عليها هو ومن معه تسمية حرب توحيد الجهد العسكري او “توحيد البندقية”. فشل “الجنرال” في الحرب ولكنه نجح في تقسيم المنطقة الشرقية قسمين وقامت خطوط تماس جديدة فيها بين الأخوة في المواطنة والدين. اهرق دماء آلاف الشباب وتسبب بهجرة عشرات الآلاف منهم، ودمر دورة المسيحيين الاقتصادية، وانكفأ بعدها لاستقبال التظاهرات الشعبية ومهاجمة الغرب وعلى ورأسه الولايات المتحدة الاميركية.

Exit mobile version