لا حاجة للبحث والتدقيق كثيراً كي نكتشف أنّ “الجهاز الأمني اللبناني السوري المشترك”، السيّء الذكر، قد بُعث حيّاً، في الأيّام القليلة الفائتة، بوجهه القديم الأمني، ووجهه الجديد السياسي “الديمقراطي” الذي يصلح كقدوة للعالم، وفق ما أعلن مسؤولو النظام السوري غداة التجديد – التجديف لبشّار الأسد.
في الوجه القديم، قدّم هذا الجهاز عراضة كاملة ومبرمجة نحو السفارة السوريّة في اليرزة وعبر حدود المصنع – جديدة يابوس، وكانت أدواته هي نفسها من أحزاب النظامين السوري والإيراني تحت غطاء بقايا عهد الوصاية في الأجهزة الرسميّة.
وقد سهرت هذه الأدوات أسابيع، بالتنسيق مع مخابرات سفارة النظام، لجرّ أكبر عدد من السوريّين، لاجئين وغير لاجئين، إلى الصناديق، بالسلاسل، لممارسة “أرقى نماذج الديمقراطيّة” التي لم تبلغها لا ديمقراطيّة أثينا ولا ديمقراطيّة اسكندنافيا.
أمّا الوجه الحديث ل”الجهاز الديمقراطي المشترك”، فظهر جليّاً في فرض التعطيل على المؤسّسات اللبنانيّة، وتكريس الفراغ في موقع الرئاسة الأولى، طالما أنّ هناك صعوبة في إيصال نسخة عن بشّار الأسد إلى قصر بعبدا.
والأدوات الأمنيّة بوجهها القديم هي نفسها الأدوات السياسيّة بوجهها الجديد: كتل وتكتّلات نيابيّة تمنع النصاب في مجلس النوّاب لانتخاب رئيس الجمهوريّة، ووسائل إعلام تشوّه وتشوّش، ومواقف ملتبسة لا تقدّم مرشّحاً ولا تطرح بدائل.
لا يستطيع أحد إنكار نجاح هذا “الجهاز الديمقراطي المشترك” في توحيد المسار والمصير، وإلحاق لبنان بركب ديمقراطيّة الممانعين والمقاومين. فماذا بقي من ديمقراطيّة لبنان التي كانت تميّزه ضمن بيئته العربيّة، وبماذا سيختلف إنتخاب رئيس للبنان عن التجديد للأسد، إذا استمرّ المعطّلون في تعطيلهم؟
هناك، يجدّدون لقاتل (ديمقراطيّة تقتيل)، وهنا يمهّدون لعاطل (ديمقراطيّة تعطيل). الأصل هناك والفرع هنا. الشخص في قصر المهاجرين والظلّ في بعبدا، تماماً كما كان الأمر بين 1990 و2005.
والواجهة هي نفسها مع فارق الأسماء والألقاب، فهي كانت، وتبقى الآن، مسيحيّة: في السابق كان اسمها آميل لحّود مثلاً، واليوم إسمها ميشال عون، وبينهما فلتة شوط إسمها ميشال سليمان انتصر للدستور وكرامة الرئاسة. فهل هناك من يكفل فرقاً نوعيّاً بين لحّود وعون؟
مَنْ يرصد مواقف وأداء والتزامات والتحاقات هذا وذاك، يدرك عمق ارتباطهما واستحالة الأمل في استقلاليّتهما، أو على الأقلّ، حفظ ماء وجه الرئاسة في الشكل.
ما تسرّب عن “أطروحات” عون أمام وفد المؤسّسات المارونيّة، مضافاً إلى ما قاله على شاشة “المنار” عشيّة خلوّ سدّة الرئاسة، يُنذر بسياسة خطيرة تقضي على ما بقي من أمل وإيمان باستعادة لبنان سيادته واستقلاله.
وإلى ذلك، جاء احتضان نبيه برّي له، بالأصالة عن نفسه هذه المرّة وليس بالوكالة عن “حزب الله”، ليحسم انخراط عون في صلب “8 آذار” و”الجهاز السوري اللبناني المشترك”. مع الإشارة إلى أنّ برّي مرّر له رسالة لبقة بعدم الرهان على “تيّارالمستقبل “، وكأنّه يقطع عليه الحلم المستحيل. ثمّ جاءته رصاصة رحمة جديدة حين أشاد به نائب وزير خارجيّة النظام المقداد ووصفه ب”فخامة الجنرال”.
في هذه الحال، لا يُمكن لعاقل أن يتصوّر كيف يستطيع الرئيس سعد الحريري تبنّي ترشيح عون بعد سقوط صفة “التوافقي” عنه، وانكشافه كنسخة طبق الأصل للأسد و”حزب الله” في الرئاسة، لا يتميّز في شيء عن السنوات التسع العجاف للحّود بما فيها من مآسٍ، على رأسها اغتيال والده.
ومع احتراق ورقة عون، يبحث “الجهاز الديمقراطي المشترك” عن ورقة بديلة، ولكنّه لم يجد حتّى الآن أفضل من ورقة الفراغ.
وقد بدأ يؤسّس لفراغ طويل، ويطرح إجراء الانتخابات النيابيّة أوّلاً، وفي حسابه أنّه سيؤمّن أكثريّة نيابيّة مريحة تسمح له بفرض الرئيس الذي يريد.
والمطلوب تحرّك حاسم من المرجعيّات المسيحيّة الروحيّة والسياسيّة، وعلى رأسها بكركي، لقطع الطريق على مخطّط استئخار الاستحقاق الرئاسي إلى ما بعد النيابي، لأنّ هذا المخطّط يدفع نحو المجهول ويؤبّد حالة الفراغ.
والمؤسف أنّ عون بدأ يصدّق حساب الأوصياء، ويسعى إلى التمديد لحلمه بضعة أشهر أُخرى، ولو عبر التمديد للفراغ، ومن أحلامه الجديدة تحالف إنتخابي وهمي مع الحريري.
الحلم ليس عيباً، والتجديد له بضعة أشهر بعد ربع قرن لا يضرّ. ولكنّه يتحوّل إلى كابوس مع تكراره بدون أن يتحقّق.
وما أكثر كوابيس الأبالسة الحالمين بالجنّة.