يحاذر السفير البريطاني لدى لبنان توم فليتشر الحديث عن المرشحين الرئاسيين وعن المخرج الممكن للشغور الرئاسي لئلا تفهم أي كلمة على أنها تفضيل لهذا المرشح أو ذاك. ويخشى من أن تؤدي إطالة أمد الفراغ إلى اعتقاد اللاعبين الإقليميين والنظام السوري أن ذلك يخولهم العودة إلى لبنان.
ورأى فليتشر أن النظام السوري يخطئ إذا اعتقد أن الانتخابات الرئاسية السورية ستغير دينامية علاقته مع العالم. وقال إن لبلاده مصلحة مشتركة مع إيران في الاستقرار اللبناني وانتخاب رئيس جديد.
واضاف في حوار مع “الحياة”: “لم أقل إنني مخطئ لاعتقادي أنه يمكن اختيار رئيس صُنع في لبنان. فأنا لا أزال أعتقد أنه يمكن ذلك. أما اعتذاري وإقراري بأنني أخطأت، فكان لاعتقادي أنه في حال تمكّنا من إزالة العوائق الدولية، سيتمكن القادة اللبنانيون من ذلك في الوقت المناسب، وارتأينا أن أفضل ما يمكن القيام به هو محاولة إزالة كل هذه العوائق واستحداث الفسحة الضرورية لاتخاذ القرار. ولكن ذلك لم ينجح. لا أزال أقول إنني لا أرى السحر الخارجي على الساحة الدولية هو الذي سيغيّر فجأة هذا الواقع. ولا أرى أن الكلام عن الانتخابات المصرية والانتخابات السورية والمحادثات بين السعوديين والإيرانيين، سيحوّل فجأة هذا الواقع. ولا أعتقد أن بإمكاننا أن ننتظر حتى يحصل تغيير دولي، وأن أياً من هذه الأحداث لديه تأثير من هذا القبيل في الوضع اللبناني. وبالتالي، ما يهم حالياً أن يجتمع القادة اللبنانيون وأن يقوموا بذلك في أسرع وقت”.
ولفت إلى انه “خلال الحوارات التي أجريناها مع القوى الإقليمية الأساسية، وأعني إيران والمملكة العربية السعودية، أعتقد أن كلا الدولتين كانتا واضحتين بأنهما ليستا معنيتين باختيار مرشح. ومن المهم أن نتذكر أنه لا يبدو أننا على وشك التوصل إلى اتفاق كبير بين إيران والمملكة العربية السعودية حول المنطقة. نحن بعيدون كل البعد من ذلك. وهذا الحوار يجب أن يستمر. الإيرانيون والسعوديون سيجلسون معاً ويتحدثون عن المنطقة. وبمقدار ما أتمنى أن يشكل لبنان أول موضوع على جدول الأعمال، يجب أن نكون واقعيين. ستكون لديهم قائمة طويلة من الأمور التي سيناقشونها. بالتالي، فإن فكرة أنهم سيعلنون فجأة عن اسم رئيس خطير، لأنها تمنع أهل البلد من تولي مسؤولياتهم، وتحول دون إقدامهم على حوارات صعبة، واتخاذهم قرارات صعبة، وتقديم تنازلات ضرورية”.
واعتبر ان “أحد أخطار الفراغ المطوّل هو أن اللاعبين الإقليميين الذين يريدون التدخل في قضايا لبنان بطريقة أكثر سوءاً، والنظام السوري طبعاً لديه سيرة حافلة على هذا الصعيد، هو أنه كلما طال الفراغ، زاد شعورهم بأنهم معنيون وتعزز نفوذهم الذي يخوّلهم العودة إلى لبنان ومحاولة التأثير فيه. خلال الأسبوع الماضي، عندما شهدنا كل الدراما المحيطة بالانتخابات السورية في السفارة، أعتقد أن المقصود من ذلك كان توجيه رسالة إلى القادة اللبنانيين، مفادها أن النفوذ السوري لا يزال هنا، وإن كان نائماً لكنه لا يزال هنا. وهي رسالة مثيرة للقلق. وكلما طال الفراغ، ازداد هذا التأثير خطورةً. وهو أحد الأسباب الكثيرة التي يجب أن تدفع اللبنانيين إلى اختيار رئيس قادر على الدفاع عن سيادة لبنان. وإن نظرنا إلى السنوات الثماني الماضية، فقد شهدنا تراجعاً فعلياً لقدرة سورية على التلاعب بلبنان. وكان ذلك ظاهراً عندما تشكلت هذه الحكومة، حيث تبيّن أن هذه النتيجة لم تحصل بتدخّل من السوريين. والبارز على صعيد الأمن في طرابلس مثلاً، أن الأطراف اللبنانيين تمكّنوا من العمل معاً، ليس فقط لإزالة التهديد السوري، ولكن أيضاً التهديد من الطرف الآخر. ومن الأمور المثيرة للاهتمام التي لاحظتها، خلال السنوات القليلة التي أمضيتها هنا أن «حزب الله» وإيران شكلا في الواقع جزءاً من هذه العملية، مع محاولاتهما لاستبدال النفوذ السوري بالطريقة ذاتها. وأنا متأكد من أن «حزب الله» يريد استبدال نفوذه هو بهذا النفوذ. ولكن على رغم ذلك، لهذا النفوذ نكهة لبنانية أكبر”.
وعن الانتخابات الرئاسية في سوريا، قال فليتشر: “أشعر بالكثير من الإحباط حيال كل هذه الدراما. كانوا يقولون عن جورج بوش إنه لا يمكن استقدام الديموقراطية إلى الشرق الأوسط بقوة السلاح. وهنا نرى نظاماً سورياً يحاول أن يزعم الفوز بقوة السلاح في سياق حرب هجرت ملايين المواطنين، وحصدت آلاف القتلى، وفي ظل صراع هائل لا يزال مستمراً فيما كانوا يُقدمون على هذه الانتخابات المزعومة. يكفي أن ننظر إلى الأرقام لنشعر بوجود شوائب خطيرة جداً في العملية. لا أستطيع أن أرى كيف أمكنهم أن يزعموا أن نسبة المشاركة كانت عالية إلى هذا الحد، في حين أن عدداً كبيراً في السوريين خارج البلاد، في عداد اللاجئين، أو في مناطق لا يمكن أن يكون فيها أي تصويت. ولم يشعر أي منا بالمفاجأة عند رؤية نسبة 52 في المئة ممن يحق لهم بالانتخاب. وكانوا في حاجة إلى أرقام مشاركة عالية بما فيه الكفاية ليحصلوا على غالبية أصوات الناخبين المخولين التصويت. قصدت الجنوب يوم التصويت، برفقة ناجين من الصراع، وكانوا مذعورين. وكنّا نحاول إيجاد طريقة لنأتيهم بالمساعدة المناسبة. وهم فئة الذين أقلق في شأنهم، لأنني لا أرى ما سيكون عليه مستقبلهم. لا أقول إنه ليس هناك أشخاص يدعمون الأسد في سورية، ولكنني لا أظن أن هذه الانتخابات مشروعة في أي شكل. ومن الخطأ أن يفكر النظام أن الانتخابات ستغيّر ديناميكيّة الأمور وعلاقة سورية مع العالم. وقد اعتبر معظم العالم، بما فيه حلفاء سورية، أن إجراء الانتخابات فكرة سيئة. وتقبّل بعض هؤلاء الحلفاء فكرة الانتخابات، ولكنني لا أعتقد أنهم موافقون على أنّها ستساعد على تقدم في العملية السياسية، وهو المكان الذي يجب أن نصل إليه”.
وعن العلاقة مع ايران، قال فليتشر: “نعاود إجراء هذا النقاش بعد وقفه بضع سنوات وبعد أن دمرت سفارتنا في طهران. نحن نبدأ من مكان صعب. والإيرانيون يُظهرون الكثير من انعدام الثقة حيالنا أيضاً. إنها فقط بداية عملية والنقاش بمعظمه حالياً يدور حول العلاقة الثنائية، فهل سيتسنى تصوّر معاودة فتح سفارتنا في طهران مثلاً؟ وعينّا قائم أعمال غير مقيم يتنقل ذهاباً وإياباً للتحدث إلى الإيرانيين. ولدينا الحوار الذي يديره سايمن غاس، مديرنا السياسي. ويرتكز حصرياً على المسائل النووية. وجميع المشاركين في الحوار شديدو الاقتناع أنه يجب أن يقتصر على المسائل النووية”.
وعن الحوار مع حزب الله، ذكر: “لا، لا نفعل”.
وعن اجراء حوار من طريق أي من السفارات، اوضح: “يلى، تقدم السفارات على ذلك. ويلتقي معظم شركائنا الأوروبيين «حزب الله»، والأمم المتحدة طبعاً على تواصل معه. ولكننا من بين قلة من الدول التي لا تجري هذا الحوار. لن أقول إننا لن نقدم على ذلك أبداً. والأمر مرهون إلى حد كبير بتطور سياسات «حزب الله» داخل لبنان. انقطع الحوار بسبب تصرفات «حزب الله» في العراق، في الماضي، إذ درّب بعض الميليشيات التي استهدفتنا. وبات الحوار أكثر صعوبةً، بسبب الهجوم الذي حصل في بورغاس في بلغاريا وكنا طبعاً غاضبين في شأنه. ولكن هذه الأمور ليست مستحيلة. نقر بأن «حزب الله» لديه دور مشروع في لبنان لأن لديه قاعدة انتخابية كبيرة. وعلينا أن نحترم هذه القاعدة. وعلى صعيد السياسة اللبنانية، من الضروري أن يكون لـ «حزب الله» مقعد على طاولة الحوار. وعلى سبيل المثال، لم نمارس في أي لحظة الضغوط على أي حزب في لبنان لنستثني «حزب الله» من الحكومة”.
وعن قتال حزب الله وحديثه مع السفير الايراني عن ذلك، اكد انه “من الإنصاف أن نقول إن السفير الإيراني وأنا لدينا وجهات نظر مختلفة في شأن هذا الجانب. إن دور «حزب الله» في الداخل السوري ضَمن فعلياً استدامة الحرب. وأعتقد أنني أوافق على كلام عدد كبير من متحدثي «حزب الله» في سورية الذين يقولون إنه لولا «حزب الله»، لكان الأسد قد خسر الآن، لأنه ما كان ليحظى بالدعم المحلي. لكن إيران أرسلت «حزب الله» ليقاتل لمصلحة الأسد، وقد اختار أن يتّبع تعليماتها”.
وعن دعم لبنان، قال: “ومن الضروري أن تحكموا على دورنا، بالنظر إلى ما نفعله، وليس فقط على ما نقوله في شأن الاستقرار اللبناني. هناك عدد من المجالات العملية التي تجدر متابعتها. والجيش عنصر محوري فيها، وعززنا الدعم الذي نمنحه للجيش سنوياً بواقع عشرة أضعاف. ونركز بشدة على أمن الحدود، التدريب، والمعدات والتجهيزات التي تساعد الجيش على إحكام السيطرة على الحدود السورية. ونترقب مؤتمراً كبيراً في روما. وننفق على الأزمة الإنسانية الإقليمية أكثر مما أنفقناه على أي أزمة أخرى من قبل. وننفق قسماً كبيراً من هذه المبالغ داخل لبنان. ونزيد المبالغ التي ننفقها، ولا نكتفي بالإنفاق على المواد الغذائية والأدوية والبطانيات المخصصة للاجئين، بل أيضاً على المجتمعات المضيفة في لبنان. لأنه لولا أزمة اللاجئين هذه، ما كنا لننفق هذا المال على لبنان. ونعمل حالياً على مشروع تعليمي، هدفه جعل التعليم مجانياً لعدد أكبر من العائلات في لبنان. ونأتي بكتب مدرسية للأولاد. وكنت حاضراً بنفسي الثلثاء الماضي في الجنوب، أساعد على إنجاز مشروع بريطاني نجدد فيه معدات الصيادين اللبنانيين في المجتمع المحلي، لنساعدهم على تحقيق دخل. وما كان ذلك سيحصل لولا العبء الذي تتحمله هذه المجتمعات لاستضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين. ولا أقول إن أزمة اللاجئين إيجابية، بل هي تمثل عبئاً مريعاً على المجتمعات”.
وعن رأي اللاجئين السياسي، ذكر: “أخبرتهم عمداً بأنني لا أريد الكلام بالسياسة، لأن هؤلاء الناس خائفون جداً ومذعورون. وهم يعرفون ما الأخطار التي يواجهونها. طلبت دعمهم لمبادرة بريطانية الأسبوع المقبل، تتمثل بقمة كبيرة ينظمها وزير الخارجية وليام هيغ لمنع العنف الجنسي في الحروب. وتحدثت إلى عدد كبير من الناجين من العنف الجنسي. لم أرغب في التحدث إليهم بالسياسة في بلادهم، لأنني حيثما ذهبت، يرافقني الإعلام، ولم أرد أن يكونوا معرضين للأخطار”.
واوضح ان “الصحيح أنه بغض النظر عن هوية من سيتم انتخابه، ومن بين الأسماء البالغ عددها 11 أو 12 أو 16، سنتعامل معه بحماسة. وبغض النظر عما إذا كان مرشحاً من الصف الأول أو الصف الثاني، أو حتى من الصف الثالث أو الثامن عشر، فليكن شخصاً يتم اختياره من داخل لبنان. وسنعمل معه ويحظى بدعمنا. وسأذهب لأراه مباشرة وأقول له: إليك الطريقة التي سنتعاون فيها. لا أعرف إن كان يجدر بنا أن نقول إنه يجب أن يكون من الصف الأول أو الثاني أو الثالث. وهو قرار يجب أن يُصنع هنا، ففي حال لم يتمتع المرشح بشرعية محلية، في لبنان، فلن تكون لديه أي صدقية دولية. بالتالي، لا تأتي الصدقية الدولية بالمشروعية المحلية، بل الصدقية المحلية تأتي بالصدقية الدولية”.
وعن مواصفات الرئيس، اجاب: “سؤال معقّد لأنني في حال أعطيت أي وصف لما يجب أن يكون عليه الرئيس، فسيراه أحد الأطراف على أنه مفروض علينا. على سبيل المثال إن قلت إننا في حاجة إلى رئيس لديه خبرة في مجال الأمن، أو لديه خبرة اقتصادية، فهذا من الأوصاف العامة المتجلية للعيان. بالتالي، أريد أن أكون حذراً، بل حذراً جداً إزاء ما أقول. وبالنسبة إليّ شخصياً، يتمثل الأمر الذي أطلبه من جميع المرشحين، أو المرشحين المحتملين، بما إذا كانوا يتمتعون برؤية للبلاد، وبطريقة تحديدهم ما هم عليه بالاستناد إلى ما يقدّمونه لقادة مختلف الفئات، والاتفاقات التي يمكنهم التوصل إليها، أو طريقة تحديدهم ما هم عليه بالاستناد إلى ما يقدمونه للشعب اللبناني. ما الذي سيبدو عليه لبنان في نهاية عهدهم؟ آمل، بغض النظر عن هوية الرئيس، أن يجيب عن هذا السؤال. ولم أقصد أن أشير إلى أي مرشح محدد”.