Site icon Lebanese Forces Official Website

“الجنرال” والحلم الضائع (جزء 2)

بعدما توقفنا في الجزء الاول عند محطات في سيرة العماد ميشال عون منذ تاريخ تبوئه للقيادة الجيش عام 1984 حتى العام 1990، نستكمل في الجزء الثاني المرحلاة الممتدة من العام 2005

2005:

–       في منفاه الباريسي لعقد ونصف العقد، نشط الجنرال على الخط الأميركي وقانون محاسبة سوريا لتحرير لبنان من الاحتلال السوري، والحافز اداء دور المحرر البطل وكسب الشعبية وتكريس نفسه الأكثر جدارة لرئاسة الجمهورية. لكن السوريين لم يخرجوا من لبنان إلا بثورة اجتمعت فيها معظم المكوّنات اللبنانية وبقيت سلّة “الجنرال” فارغة، والرئاسة بعيدة المنال.

–        بتاريخ 7 أيار2005، عاد العماد عون الى بيروت بمساعدة الرئيس  اميل لحود وبالتنسيق المباشر وغير المباشر مع سوريا وكانت لا تزال الرئاسة هاجسه الأول، فخاض انتخابات نيابية بالتحالف مع بعض اتباع سوريا في لبنان، فنال أكثرية الأصوات في الشارع المسيحي، لكنه لم يستطع الوصول إلى قصر بعبدا لأن تحالفه مع النظام السوري ألزمه البقاء بعيداً عن التيار الاستقلالي الأكثري المعارض لنفوذ سوريا في لبنان.

2006

–       عقد العماد ميشال عون تحالفاً مع “حزب الله” الذي كان قد انتهى لتوه من حربه على اسرائيل تحت مسمّى “تحرير الجنوب”. وسعى كل من “الحزب” والتيار الى هدفه من هذا التحالف. فالعماد المسكون بهاجس الرئاسة اعتبر حلفه مع “حزب الله” الخطوة الاولى والأهم للعودة الى قصر بعبدا، في حين ان “الحزب” كان يفتش عن غطاء لبناني وبالأخص مسيحي ليبرر احتفاظه بالسلاح الذي غدا بعد التحرير عبئاً عليه وعلى لبنان، وليكتسب شرعية شعبية لدولته القائمة داخل الدولة، ولسلاحه غير ذي الجدوى. وبالنهاية، لقد أخذ “حزب الله” كل ما يريده من “الجنرال” ولم يتمكّن من مساعدته على بلوغ “كرسي بعبدا”.

 

2007:

–       مع انتهاء عهد الرئيس اميل لحود، تسبّب عون في افراغ سدة الرئاسة لستة أشهر، مقترحاً انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، رغم مخالفة هذا الاقتراح للدستور اللبناني. وهو يعرف ان حظوظه كبيرة للوصول إلى قصر بعبدا اذا تمّت الموافقة على هذا الاقتراح، لأنه متحالف مع “حزب الله” و”حركة أمل” اللذين يمثّلان الشيعة، الطائفة الأكثر عدداً في لبنان. وعندما واجه اقتراحه رفضاً حازماً من قوى “14 آذار”، راهن على عروض القوة لـ”حزب الله”، فكان أمامهم في قطع الطرق وحرق الدواليب وإعتصام بيروت، ومتحمّساً لإقتحام الرئيس فؤاد السنيورة في سراياه، مراهناً على انهم سيكافئونه بالرئاسة.

 

2008:

–       أعلن العماد ميشال عون بصراحة متناهية عن نهمه وتعطشه للسلطة: “أقسم لكم وأؤكد أن لدي شهوة لأحكم لبنان”، ولو أن كلامه جاء في معرض نفي نيّة حليفه السيد حسن نصرالله الاستئثار بحكم لبنان، أي أنه أراد عملياً تبديد مخاوف اللبنانيين و”طمأنتهم” بالقول انه هو من يريد ان يحكم وليس السيد نصرالله.

–       قام “حزب الله” باجتياح بيروت، فانتصب “الجنرال” في الرابية مدافعاً ومبرراً استعمال السلاح، معتبراً انه منع حرب أهلية، ثم إنبرى يوم 9 أيار، بعد ثمانية وأربعين ساعة على غزوة بيروت ومحاولة اقتحام الجبل، يهلل ويعلن النصر، معتقداً لوهلة ان طريقه إلى قصر بعبدا أصبحت معبّدة.

–       استخدام “حزب الله” لسلاحه في الداخل، فرض على القوى السياسية المتخاصمة الانتقال إلى مؤتمر حوار في “الدوحة” حيث واجهت قوى “14 آذار” معضلة رفض العماد عون التخلي عن ترشيحه للرئاسة، حيث لم يكتف بهذا الرفض في الجلسات المغلقة مع حلفائه، وانما انفجر غضبه اثناء لقائه بالنائب علي حسن خليل في احد مقاهي الفندق، رداً على محاولة اقناعه بضرورة قبوله بالعماد سليمان رئيساً. في اليوم التالي أبلغ العماد عون المعنيين موافقته على انتخاب سليمان رئيساً بعد سلسلة محاولات فاشلة مع حلفائه، شعر بنتيجتها ان رهانه على ان سقوط بيروت بقوة السلاح على يد حلفائه لم يوفر له الفرصة لتحقيق حلمه المزمن بالوصول الى كرسي بعبدا، حتى مع تبدل ميزان القوى الداخلي لمصلحة الحلفاء.

2009:

–       تكثّفت حملات العماد عون على رئيس الجمهورية ميشال سليمان بعدما وصفه بالطرف بدل الحكم ولمّح مراراً وتكراراً على تقصير ولاية الرئيس “الماروني” في حال فوز المعارضة في الانتخابات النيابية.

–       استبشر العماد ميشال عون خيراً عشية الانتخابات النيابية عام 2009، بعدما جرى دغدغة احساسه التاريخيّ بالمظلوميّة، من خلال الحديث عن أهميّة المجلس الذي سيختار حكومة ويختار رئيساً للجمهوريّة، لكن ما حصل أنّ الإنتخابات خذلت قوى “8 آذار”، ومن بينها العماد عون الذي شهد تراجعاً في شعبيته بالمقارنة مع انتخابات عام 2005 نتيجة عدم اقتناع جزء كبير من الرأي العام المسيحي بوثيقة التفاهم مع “حزب الله”، واستعمال “الحزب” لسلاحه في الداخل يوم 7 أيار 2008، شعور نسبة كبيرة من المسيحيين بالاستفزاز بعد زيارة “الجنرال” إلى سوريا في كانون الأول 2008، إضافة إلى التطاول المنهجي والمبرمج على البطريركية المارونية وبالتحديد على شخص البطريرك صفير. هكذا، ضاع حلم “الجنرال” مرة أخرى في الوصول إلى قصر بعبدا.

2010:

–      منذ انتخاب ميشال سليمان رئيساً، قام العماد عون بعملية “تقييد” للرئيس، ممارساً سياسة منطق “الوصاية على الرئاسة”، أو منطق التكبيل. وكانت معادلته: ما دامت الصلاحيات يصعب اعادتها لرئيس الجمهورية، كون الأخير شخصاً غير العماد ميشال عون، فينبغي نقل ما بقي لدى رئيس الجمهورية من صلاحيات بعد الطائف، الى “الوصي على الرئاسة”، الذي هو تحديداً العماد ميشال عون.

 

2011:

–       أصبحت الأكثريّة النيابيّة في مكان توجد فيه كتلة ميشال عون النيابيّة بعد انقلاب نفّذته قوى “8 آذار” باستخدامها الثلث المعطّل  متنكّرة بتعهدها الممهور بتواقيع مكوّناتها الرئيسة بأن “لا إعاقة لعمل الحكومة أو الاستقالة منها”، مقابل حصولها على ما سُمّي “الثلث المعطل”. تزامن ذلك مع استعراض قوة لـ”حزب الله” لما يعرف بـ”القمصان السود” الذين انتشروا في شوارع بيروت وشكّلوا وسيلة ضغط على النائب وليد جنبلاط الذي اضطر إلى الانتقال من ضفة إلى أخرى خوفاً من الخلل الأمني.
ولكن هذا لم يرفع رصيد فرص النائب ميشال عون في الوصول إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة، فصحيح أنّ كتلة الأكثرية الجديدة (8 آذار) باتت تفوق كتلة المعارضة (14 آذار) بـ 8 أصوات (68 مقابل 60)، ولكنها كانت تتضمن ما لا يقلّ عن 8 أصوات لا يمكن لا بل ومن المستحيل أن تصوّت لمصلحة عون إذا ترشّح لرئاسة الجمهوريّة، ما يجعل الأكثريّة المعارضة لترشّحه في مكان آخر، والإلتزام بنصوص الدّستور بحسب العماد عون أن انتخاب رئيس للجمهوريّة يحتاج إلى أصوات ما لا يقلّ عن 85 نائباً… وهذا يعني في ظلّ تلك المعادلة القائمة وتحت أيّ ظرف كان، كان يحتاج إلى أصوات الأكثريّة كاملةً بالإضافة إلى 17 صوتاً من أصوات نوّاب الأقليّة.

–       أمام عجز العماد عون بتأمين أكثرية لإنتخابه رئيساً للجمهورية، استمر في لعبة الوصي على الرئاسة، من خلال الاستيلاء على معظم المقاعد الوزارية من أجل تشكيل ضغط على رئيس الجمهورية ميشال سليمان.

 

2012:

–       كانت مشاركة وزراء العماد ميشال عون في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي بنسبةٍ وازنة اللحظة الفاصلة التي اكتشف فيها عموم الناس نوعيّة الحكم الذي سيكون عليه عهد “الجنرال” إذا ما وصل إلى قصر بعبدا، فعمّت خيبة الأمل واليأس قلوب كل من آمن بإصلاحٍ أو تغييرٍ ما. وقد أصبح العماد ميشال عون الذي كان منذ بضعة سنواتٍ المنتقِد الأبرز لكل السياسات الحكومية، المنتَقد الأول بسبب سياساتها وفشل وزرائه في أدائهم، زد على قيمة الانتقاد هذا أن لبنان لم يشهد أفشل من هكذا حكومة. قد يكون الطرف المشارك في الحكومة في لبنان أو العالم معرّض إلى خسارة قسم من شعبيته لأن طبع الإنسان هو كره ورفض السلطة في حين ميله الدائم هو نحو المعارضة، ولكن بالرغم من أن هذه الحجة ليست بمبررٍ كافٍ لتراجع شعبية عون وفشله يبقى أن نقول إن مردها الحقيقي هو الفشل بالحكم بكل بساطة. وكل اللبنانيين يعرفون أنه لم تأتِ حكومةٍ أفشل من تلك التي تضمنت عشرة وزراء من تكتل “التغيير والاصلاح” لا في الأمن ولا السياسة ولا الاقتصاد ولا الخدمة العامة… والأهم أن من بنى كل ما لديه من شعبيةٍ عبر انتقاد سياسات غيره في الحكم منذ عشرين عاماً بات معرّضاً للهجوم والانتقاد بالحجة نفسها.

2013:

–       قرر العماد ميشال عون في تلك السنة الإبحار إلى مرفأ الرئاسة عبر مركب القانون الأرثوذكسي الذي كان سيؤدي في حال أقرته الهيئة العامة لمجلس النواب الى خسارة العماد عون بعض المقاعد النيابية، لكنه سيؤدي في المقابل الى تعزيز فرصه- على ما يعتقد- إلى رئاسة الجمهورية نتيجة فوز حلفائه بغالبية المقاعد الشيعية في مجلس النواب ورهانه على تراجع شعبيّة تيار “المستقبل” في الشارع السني. وكان اعتماد هذا القانون سيؤدي إلى ضرب الميثاق الوطني واستبداله بالفيدرالية المذهبية التي سرعان ما تتحول الى فيدرالية مناطقيّة وديمغرافيّة. لذلك، قامت قوى “14 آذار” باللحظة الأخيرة بالتوصّل إلى اتفاق على قانون مختلط وفق تمنيات بكركي، فأحبط مشروع “الجنرال” مرة أخرى، لذلك اختار الانقضاض على منافسه المسيحي “القوات اللبنانية” بحملة مبرمجة لتظهيره بمظهر الخائن، وتكرار تسونامي 2005 بإعتماد قانون الستين رغم ان الأقطاب السياسية المسيحية أعطت تعهداً للبطريرك بالامتناع عن المشاركة في انتخابات وفق قانون الستين. الا ان خيار معظم الافرقاء اللبنانيين، ما عدا “الجنرال”، كان التمديد نظراً إلى الظروف الأمنية التي لا تسمح باجراء انتخابات نيابية… فسارت الرياح عكس ما تشتهيه سفنه إلى كرسي الرئاسة.

–       استفحلت حملات العماد ميشال عون على رئاسة الجمهورية، بل على رئيس الجمهورية بالذات، بالتزامن مع رفضه لفكرة التمديد للمجلس النيابي وقائد الجيش عماد قهوجي. ودافع عون إلى هذه الحملات كان توجّسه من التمديد لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، وبالتالي ضياع فرصة جديدة لإنتخاب زعيم “التيار الوطني الحر” رئيساً للجمهورية.

 2014:

–       فجأة، طرح رئيس تكتل “االتغيير والاصلاح” نفسه مرشحاً “وفاقياً” عشيّة استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية. أخذ “الجنرال” يمالق بعض قوى “14 آذار”، سيما تيار “المستقبل”، بعدما كان انهال عليه بكل أنواع التهجّمات من الـ One way ticket للرئيس سعد الحريري، إلى الـ One way in، ملمّحاً إلى انه لن يعطي قياديي “المستقبل” نعمة ترك البلد، “ويجري العمل على جناح كبير في سجن رومية وسيتّسع لعدد كبير منهم!”، إلى اصدار كتاب “الإبراء المستحيل” الذي تضمّن انتقادات لاداء “المستقبل” الاقتصادي والمالي. لكن بسحر ساحر اصبح هذا الكتاب “عملاً شخصياً لا يُعبر عن “التيار العوني” ابداً!”، والثمن كرسي بعبدا.

–       تمادى عون وتكتله في تعطيل جلسات انتخاب رئيس للجمهورية وعدم تأمين النصاب خوفاً من مواجهة رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي أعلن عن برنامج رئاسي واضح ولا لبس فيه، في حين مارس عون لعبة المناورة والتضليل والتعطيل ضارباً بعرض الحائط اللعبة الديمقراطيّة ووعوده للبطريرك مار بشاره بطرس الراعي بالمشاركة في تأمين النصاب، فارضاً نفسه “مرشّحاً وفاقياً أو لا أحد”. هكذا، ضرب “الجنرال” مرة أخرى المفاهيم المنطقيّة والدستوريّة والقانونيّة التي انقلبت رأساً إلى عقب، ودخلنا فعلاً عصر الانحطاط.

ميشال عون الحالم بكرسي رئاسة الجمهورية لا يدّخر جهدا ً لنيل هذا المنصب وإن أدى ذلك إلى تعطيل البلد. وها هو اليوم يراهن على حليفه “حزب الله” المتورّط في الحرب السوريّة والمشاريع الاقليميّة الكبيرة في إطار محور المقاومة والممانعة. لكن إذا حصلت المعجزة وتمكّن هذا المحور من تحقيق النصر فعلاً في مواجهاته المستمرة، هل سيكون انتخاب العماد ميشال عون من دون مقابل أم لجعله حصان طروادة يمتطونه فقط لمآربهم ومصالحهم السياسية ٍوكواجهة مسيحية تكرّس نفوذ ايران على شواطئ لبنان؟ إنه حلم الرئاسة لميشال عون والكابوس المستمر في وعي اللبنانيين.

Exit mobile version