#adsense

اتركوا الطلاب في غرفة ستي…

حجم الخط

 كان موسم retraite، نذهب الى العين أو نختلي في الحديقة أو، غالباً، نترك المنزل ونسكن بيت ستي، حيث ننهرق وندلق كل الغناج، وستي تلبي بالعاطفة الجياشة كل الطلبات. أطيب الطبخات وأكثرها تغذية و…زعتر! زعتر وزيت كل يوم “كلي ستي منيح الزعتر بيقوّي الذاكرة” كانت تردد، ونأكل الزعتر ع الصبحية، وخضار الكثير منها عند الغداء، وعشاء ناعم كي لا تصاب المعدة والمزاج بالكسل، وسهر حتى الثانية ليلاً ثم نوم أربع او خمس ساعات على الاكثر ويأتي المنبّه شخصياً لايقاظنا، ستي، مع ضوعة رائحة القهوة على رائحة صباحات الضيعة، ودجاجات القن المفرطات في النق كلما بضن بيضة، ونكتات الجارة “ام شربل” الـ ما دون الزنار غالباً، وستي ترمقها بالنظرات الغاضبة.

شهر يمر على هذه الحال قبل موعد التقديم، وفي الشهادات الثلاث، البروفيه والبكالوريا القسم الاول، و”الكارثة” الثالثة القسم الثاني. كانت الضيعة تشبه حال الطوارئ، كلنا مضبوبين بالبيوت، لا تشهد الطرق عجقتنا ولا أصواتنا وضحكاتنا وهمساتنا في اتجاه الصبيان والصبيان في اتجاهنا، يشتاق الينا “الفريز” في ساحة البيدر، الفريز في لغتنا القروية تلك الحافة من البطون حيث نجلس في ليالينا وصباحاتنا. كنا نحرم من كل شيء، حرمان ارادي، حتى من العيون التي نحبّ وهي تلاحقنا على طريق الضيعة مع الصبايا في امسيات نيسان المقمرة، كنا نسرق بعضا من تلك النظرات وكلمات غزل ناعمة من قريبو، في لحظات فراغ ننتشلها من وقت الدرس ونتموّن منها ليوم كامل، ونرفّه عن أنفسنا قبل العودة الى جحيم الحفظ، وجحيم المتنبي، وجمهورية الفارابي، تلك الفاضلة الكاذبة التي لم نقرأ عنها حتى اللحظة الا في سطور مدينته الوهمية.

كان موسم الدرس موسم اللقاء مع الوقت في الضيعة، وللوقت في الضيعة غير ما له في المدينة. فوق، ينتشلك عصفور من اغفاءة تعب، أو نقّ دجاجة من رتابة الصفحات، أو صراع هرتين على هرة من كسل داهم، وأحيانا صوت كلب شارد في ليل الضيعة الصامت المتفجّر نجوما.

كان الهمّ واحداً وكأنه هو همّ الدنيا كلّها، التقديم، نلتقي نتحدّث عنه، ننام نهجس به، أحلامنا من كوابيسه، أيامنا من لياليه وليالينا من أرقه، الى ان تحين الساعة الصفر. اعلان حال الطوارئ في البيت قبل ليلة من الموعد الموعود، بدل الشمعة تضيء ستي شمعتين واحدة للعذراء واخرى لمار شربل “يا مار شربل اذا بتنجّحها رح روح حافية ع الكنيسة والك مني عشر ليرات” رشوة مبررة وان كانت ستي لم تدفعها لاحقا… وتجهّز ستي الثياب المكوية بعناية فائقة، وغالباً تكون ثياب الاحد، وكأن الذهاب الى التقديم عيد كبير، مسبحة تضعها بحزم في رقبتي “قولي يا عدرا وصلبي ايدك ع وجّك”، أطيب الاطباق من أجل المعنويات، عصير الليمون صباحاً وشراب الورد عند العودة مهما كانت محصلة النهار، “شو ستي كتبتي منيح”. ومن سيجرؤ أن يقول لا، وأنا دائما كنت لا وأكذب وأقول “معلوم بكّلتها” بعدما تكون المسابقات في المواد العلمية خصوصاً، بكّلتني وكبّلتني وطرحتني أرضاً ارضاً…

اليوم الآخير من التقديم أسعد الايام، هي الحرية المستعادة من غياب شهر القهر والخوف والانضباط والالتزام، هنا الكارثة، الالتزام بالبيت والنصوص والكتب والقواعد والضوابط، والغريب أن اليوم الاخير نفتقد كل تلك الطقوس التي كنا نلعنها لحظة بلحظة، نفتقد مع الحرية المستعادة سجن الدرس الموقوت بحسب دورة الشمس والقمر.

كنا طلاباً، كنا روحاً حلوة تلعب في ساحات الوطن قرى ومدناً، رغم كل شيء الآن أنا أحسدهم، لانهم طلاب، أنا الآن هناك في الغرفة المشرفة على الياسمينة في الضيعة أدرس، أعادوني الى هناك، أشعر بالحنان والتعاطف معهم، و… أزعل لاجلهم.

هو شعور جديد يضاف الى مفكرة الدرس الصعبة التي يحفظونها، أزعل لانهم حائرون تائهون لا يعرفون ما اذا كانوا سيلتحقون بمراكز التقديم أم يبقون في الانتظار أسرى في انتظار لحظة توهج الحقيقة، وفي العادة الحقيقة في لبنان لا تأتي من تلقاء ذاتها انما ننتشلها من أفواه السباع غير السباع والكذبة والكفرة، وهم كثر كثر في لبنان…

لا علاقة للسياسة في ما كتب، أكتب لاعيش حنين الايام، ولنقول لمن ينتهكون حقوق الطلاب، هؤلاء سيكبرون، سيصبحون هم قادة لبنان لا تقتلوا فيهم تلك الروح المثالية، ودعوهم في غرفة ستي يدرسون بدلال، ويغنّجون الياسمينة التاكية على الدرابزين…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل