#adsense

ماذا يحصل في العراق؟… “داعش” تملك مقوّمات دولة وتجمع القوى الإقليمية والدولية ضدّها

حجم الخط

الموصل مركز محافظة نينوى وثاني مدينة عراقية من حيث عدد السكان إذ بلغ قاطنوها مليوناً وثمانمئة ألف قبل الأحداث الأخيرة. تكتسب أهميّتها التاريخية والاقتصادية من موقعها كعقدة مواصلات. غالبيّة سكان الموصل من العرب السنة وفيها أيضا مسيحيون وأكراد وتركمان. والأهم من كل ذلك أن المدينة عاصمة السنّة اقتصادياًّ وسياسيّاً، وفيها آلاف الجنود السابقين من أنصار الرئيس الراحل صدّام حسين.

ماذا حصل في الموصل

   كلام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن حيلة لم يكن بعيدا من الواقع. فقد ظهر فجأة في المدينة مئات من مقاتلي “الدولة الاسلامية في العراق والشام” (داعش) الّذين تسلّلوا من الصحارى القريبة وانضمّ إليهم مقاتلون من داخل المدينة، فدبّ الذعر في نفوس جنود الجيش العراقي فتساقطت مواقعهم بسرعة وتركوا الكثير من السلاح والعتاد وراءهم بالرغم من أن ميزان القوى كان يميل لصالح القوات الحكومية بنسبة 115، فسارع مقاتلو (داعش) الى السيطرة على المقرات الرسمية والتلفزيون والثكنات العسكرية والسجن وأطلقوا الكثير من مؤيّديهم، كما سيطروا على مطار الموصل حيث مروحيات أميركية وقاعدة غزلاني واستولوا على مخازن أسلحتها. ولعلّ النداء الّذي أطلقته السلطات المحليّة داعية المواطنين الى استخدام أسلحتهم الخاصة للتصدي لداعش، يظهر مدى ارتباك الحكومة والجيش.

   لكن كلام المالكي أغفل أن السلطات العراقية كانت تعرف أن (داعش) تستغل قرب الموصل من سوريا للتعاون مع مقاتليها هناك الى جانب التنسيق مع العسكريين السابقين في جيش صدام الراغبين في الانتقام لأنفسهم بعد فصلهم من الجيش وحلّه، ولزعيمهم السنّي من الحكم الشيعي الّذي لم يراع مصالحهم ومصالح مناطقهم.

ماذا فعلت السلطات العراقية؟

   حاولت السلطات العراقية كبح الاندفاعة الداعشيّة بغارات جويّة نفّذتها مروحيّات الجيش العراقي على مواقع سيطر عليها المقاتلون الإسلاميّون الّذين باشروا بنقل المعدّات التي سيطروا عليها وسرعان ما ظهرت على الحدود السورية حيث أزالوا العوائق من طريق تبادل الامدادات مع رفاق السلاح في سوريا الّذين بلغتهم أخبار رفاقهم في العراق، فمنّنوا النفس بأحلام نصر مشابه ضد بشّار الأسد بمعاونة أترابهم الآتين من العراق. غير أن السلطات العراقية بدأت بنقل الكثير من أسلحة المدفعيّة والقوات المنقولة جواً لتشكيل خط دفاع عن ضواحي بغداد في وجه الاندفاعة الداعشيّة.

العالم يراقب ويخطط

   بالتزامن مع الجهد الحكومي العراقي بدأ.التخطيط الدولي لمواجهة المفاجآت الداعشيّة، من وقف تسليم السلاح الى الجيش العراقي في حال لم يواجه الأمور كما ينبغي والسماح لإيران بالتدخّل المستتر خلف المليشيات الشيعيّة العراقية لضرب الثوّار السنّة شرط مراعاة متطلّبات الأمن السعودي والمصالح الأميركية.

قتال الأكراد ليس مجانا

   في هذه المعمعة لا يمكن إغفال دور الأكراد في هذه المعركة التي تدور على أبواب منطقتهم. فقوات “البشمركة” الكردية العالية التدريب والمجهّزة بالمدفعية وناقلات الجند المدرّعة يمكن أن تكون سنداً حقيقيّاُ للقوات الحكومية العراقية في مواجهة “داعش”. فالأكراد يطمحون من زمن بعيد لإقامة دولتهم القوميّة البعيدة كل البعد عن أحلام “داعش” في الأمارة الإسلاميّة. وبالفعل فقد حرّك الأكراد قوات كبيرة الى مقربة من مناطق التوتر استعدادا للمواجهات المحتملة، بالرغم من صراعهم مع السلطات المركزية في بغداد على تقاسم مردود النفط المستخرج من الحقول الواقعة في المناطق الكردية. وكدفعة على الحساب سيطر الأكراد على كركوك التي لطالما تنازعوا عليها مع السلطة المركزية في بغداد، فأصبح وضعهم أفضل بكثير في المفاوضات المقبلة التي لا يمكن إلاّ أن تأخذ بعين الاعتبار دورهم في مواجهة “داعش”.

امتحان مزدوج للمالكي

تعتبر المعركة القائمة امتحانا قاسيا لرئيس الحكومة نوري المالكي. فهو من جهة يواجه هجوما صاعقا تقوم به “داعش” أسفر حتى الآن عن كشف تقصير خطير وفاضح في أجهزته العسكرية والأمنية ما يهدد الدولة بكاملها ووحدة التراب العراقي، ومن جهة ثانية هو مرغم على طلب عون الأكراد في هذه المواجهة القاسية، ما سيدفعه لاحقاً إلى تقديم المزيد من التنازلات لهم في مجالات الحكم الذاتي الّذي يتمتعون به في الشمال، ليس أقلّها عائدات النفط. فصحيح أن للأكراد مصلحة في هزيمة “داعش” لكنهم لن يعففوا النفس عن مكتسبات لطالما سعوا في سبيلها وها الفرصة قد سنحت لهم.

إنجاز داعش الأكبر ومقوّماتها

بالرغم من كل ما فعلت وتفعل “داعش” في الحرب السورية، يبقى ما أنجزته في العراق هو الأهم والأكبر على الإطلاق. فضم المناطق التي تسيطر عليها في العراق الى المناطق السورية المحاذية لها مع ما تملك من آبار نفط وتجمّعات سكانية بالملايين من البشر يؤمّن لها قاعدة صلبة توازي مقوّمات دولة، من دون أن ننسى التبرعات التي تجمعها من مؤيّديها والخائفين، ومن المصادرات وفديات المخطوفين وغيرها من المصادر المالية المتنوّعة. والأرجح أن ثروة التنظيم هي الأكبر بين التنظيمات المشابهة، بالرغم من استحالة  تقدير الرقم الدقيق لثروته.

غير أن محافظ نينوى قال إن التنظيم استولى على 425 مليون دولار من البنك المركزي في الموصل، عدا ما نهبه من المصارف المحلية من نقد وسبائك ذهبيّة.

مجلس العلاقات الخارجية الأميركي لخّص التحليلات بشأن ثروات التنظيمات عبر العالم كالتالي:

طالبان 400 مليون دولار

منظمة فارك الكولومبية 350 مليون دولار

حزب الله 200 مليون دولار

 حركة الشباب الصومالية 100 مليون دولار.

القاعدة 30 مليون دولار فقط وفقاً

وحتى قبيل سقوط الموصل، كان تنظيم “داعش” من أغنى التنظيمات التي تشارك في الصراع الدائر في سوريا، إذ إنه يدفع أموالاً طائلة لعناصره ويمدّهم بأفضل أنواع الأسلحة وأكثرها تطوراً.

داعش تجمع المتحاربين

دفعت التطوّرات المتلاحقة كل الأطراف المحليّة في العراق وسوريا، والإقليميّة من السعودية إلى تركيا وإيران حتى الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي إلى الاستنفار لمواجهة عدوّهم المشترك بقرار أكيد لا ينقصه سوى رسم حدود كل منهم حفاظاً على حدود اللعبة الّتي خرقت قواعدها “داعش”، ما سيرغم السلطات السورية على إعادة النظر في تحالفها الموضوعي مع المنظمة التي تقاتل في غالب الأحيان “الجيش السوري الحر” الّذي يخصص له جيش النظام معظم قوته النارية متناسيا “داعش”.

أما حزب الله فلم يعلن بعد عن إرسال مجاهديه الى العراق لحماية الأماكن الشيعيّة المقدّسة التي هدّدت “داعش” باقتحامها وتدميرها.

نجاح داعش يشجّع أصوليّات جديدة

التطوّرات المتلاحقة حجبت الضوء عن نشوء تنظيمات جديدة كرجال جيش الطريقة النقشبنديّة في شمال العراق، وهو تنظيم صوفي يقوده عزة إبراهيم الدوري، نائب الرئيس العراقي السابق صدّام حسين، وقد اتخذ التنظيم لنفسه هذا الاسم تيمّناً بالإمام شامل النقشبندي الذي ثار ضد روسيا القيصرية في داغستان والشيشان. هذا غيض من فيض ما سينشأ نتيجة ظلم الأنظمة واستغلال أمثال “داعش” لهذا الظلم لحشد المجاهدين استناداً الى الثروات والأسلحة التي بحوزتها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل