رغم الحوادث الأمنية الطارئة على الحدود اللبنانية السورية لا سيما في البقاع الشمالي وعند جرود عرسال تحديداً وما رافقتها من إشكالات وتداعيات انتهت في مهدها، يسود اليوم مبدأ «التفهم والتفاهم» لا سيما بين الأهالي والقوى الأمنية. فأهالي عرسال لا يحبون أبداً إظهار صورتهم وكأنهم معتدون على جيرانهم، وهم يدركون إن البعض يريد الإيقاع بهم لتبرير ما يفعله في الداخل السوري وجعل البلدة معبراً لفرقه القتالية، وهو أمر مرفوض، لا بل أن أهالي عرسال لم يقفلوا أبواب بيوتهم ولم يمنعوا النازحين السوريين من الاستفادة من كل منزل أو قاعة أو أرض لاستقبال الأبرياء والدفاع عن حقوقهم الإنسانية بكونهم ضحايا آلة القتل الأسدية التي تحصد السوريين وتحصد كذلك شباناً لبنانيين أضاعوا طريقهم إلى العدو واستنفروا من أجل الولي الفقيه وولاية جديدة لبشار الأسد.
بعد أن انتشر الجيش اللبناني على مقربة من الحدود اللبنانية السورية، تم وضع حد لبعض الممارسات من نوع القصف الصاروخي الذي كان يستهدف بعض القرى المحيطة بعرسال لا سيما اللبوة والهرمل من قبل مجموعات مسلحة أنتجها النظام السوري كعادته ووضعها إلى جانب فصائل مقاتلة تبيّن أنها تعمل بغير إمرة ملتبسة وأن أهدافها على غير ما تدعي وتنفضح الأمور بدءاً من «داعش» التي لم يقاتلها «حزب الله» في سوريا، وصولاً إلى مجموعات تبيع هنا وتشتري هناك بحسب الرغبة والعرض والطلب.
أهالي عرسال، يعزّ عليهم ويحزّ في أنفسهم أن يتهمهم أهالي رأس بعلبك أو اللبوة أو الهرمل بأنهم وراء عملية خطف أو قصف، في حين أنهم يستنفرون أمام كل حادثة سقوط صاروخ أو خطف مواطن من أجل الاستنكار والمساعدة ويدعون القوى الأمنية والجيش إلى حفظ الاستقرار مع البلدات المجاورة وأخذ دورها كاملاً في متابعة كل التفاصيل والقيام بما يجب، وهم لم يغطوا أي عمل مسيء الى الدولة، بل طالبوا بحضورها وعدم التغيّب مهما كانت الحجج والاعتبارات. كانوا متعاونين إلى أقصى الحدود لجلاء صورة ما يتردد عن وجود خلايا نائمة أو تسلل سيارات مشبوهة أو تواجد مجموعات إرهابية غير مرحّب بها.
وجاء التعاون الأخير واضحاً من أجل الإفراج عن المواطن مخول مراد، صاحب إحدى الكسارات من رأس بعلبك مع مجموعة عمال سوريين وتركمان، إذ في البداية شارك أهالي عرسال في التصدي للخاطفين ومواجهتهم وبعضهم أصيب في المواجهة مع العصابة الخاطفة المعروفة وهم بالأمس كثفوا عملهم من أجل الإفراج عن مراد.
يقول منسق «تيار المستقبل» في عرسال والهرمل بكر الحجيري إنه «منذ اللحظة الأولى لعملية الخطف كانت هناك اتصالات بين بلدية عرسال والقوى الأمنية، على أساس أن الخاطف معروف وموقعه محدد، القوى الأمنية تعمل جاهدة للقبض عليه وإيجاد حل لعصابته وهو يدعى «أبو حسن الفلسطيني»، ولكن تأخر ذلك، وقد كنا نشاهد تحركات للقوى الأمنية وآلياتها، وفي النهاية لم يتمكنوا من العصابة. ووفق الاتصالات والمعلومات كان يجب إطلاق مراد في اليوم التالي وامتدت المسألة يوماً بعد آخر من دون الوصول الى نتيجة حتى اليوم (أمس)». ويشير إلى أن «المجموعة الخاطفة يرأسها أبو حسن الفلسطيني، ومعه 50 أو 60 عنصراً مسلحاً كما يقال، وهذا الشخص كان يطلق الصواريخ على اللبوة، والظاهر أنه ينفذ أوامر وله مرجعية محددة من أجل أن تحصل مشكلة بين عرسال وجوارها، فهو مكلف بخلق حالات من أجل إيجاد الفتنة بين عرسال ومحيطها، وهو مع عصابته خطف هؤلاء العمال مع صاحب الكسارة، وقد تم إطلاق سراح شخصين من عرسال والعمال السوريين والأتراك، وقد فاوض مع عدد من الأشخاص من أجل ذلك، وأبلغهم أنه سيتركهم بالتقسيط ولكنهم رفضوا، فأطلق سراح الجميع باستثناء مراد من أجل الحصول على فدية مالية، وهذا أسلوب العصابات وكأنه مرسل من مخابرات النظام السوري وينفّذ أجندتها من أجل إشاعة التوتر بين عرسال وأهالي البلدات الأخرى وعلى الحدود اللبنانية ـ السورية».
ويلفت الحجيري الى أن النازحين السوريين وأهالي البلدات الحدودية في القلمون ضده وليسوا مع ما يقوم به».
ويوضح «لقد عقدنا لقاءات مع آمر فصيلة الجيش اللبناني واجتمعنا في البلدية وقدمنا كل المعلومات المفيدة حوله، فنحن نريد أن يُلقى القبض عليه بسرعة وليس فقط الإفراج عن مراد، إذ يجب القضاء على عصابته وإلغاء وجوده في المنطقة».
وعن العملية الأمنية التي قام بها الجيش اللبناني لاحقاً والتخوف من الخلايا النائمة وتسرّب مجموعات لـ«داعش» يؤكد الحجيري أنه «منذ أكثر من سنتين نعيش حالة غير طبيعية في البلدة نتيجة الاتهامات الظالمة التي تُتهم بها عرسال، وقد عملنا جهدنا من أجل عدم توريط البلدة في الصراع السوري أو بورطة أمنية بمواجهة هنا وهناك لا مصلحة لنا فيها من قريب أو بعيد، سواء مع الجيران أو مع آخرين، ولكن حتى الآن لم ننتهِ من الموضوع، فالوضع مفتوح على كل الاحتمالات باعتبار أن ما يحصل ليس محصوراً بعرسال والحدود مع القلمون، فالأمور مرتبطة ببعضها البعض، من العراق الى سوريا الى لبنان، تجري ضربة في مكان ما فتهتز المنطقة. هناك اليوم معارك جدية في رنكوس وخسائر من الطرفين كبيرة جداً، وهذا يرتب مسؤولية كبيرة على القوى الأمنية والجيش والأهالي للتعاون معها في كل ما يساعد على إشاعة الأمن».
ويرفض الدخول في تفاصيل ما أعلنه الجيش عن عملية الدهم في جرود عرسال والقبض على إرهابي من «كتائب عبد الله عزام» وعدد من السوريين، لافتاً الى «ضرورة التعاطي مع الناس وفق خطة مدروسة ومراعاة الواقع على الأرض».
ويؤكد أن «أهالي عرسال ضد أي دخول مسلح الى مخيمات النازحين وليس صحيحاً ما تردد عن مخيمات تدريب أو ما شابه، حتى النازحين السوريين وفق اعتقادي ليسوا مع وجود أي سلاح في المخيمات. والنقطة الايجابية التي يجب أن يتم التركيز عليها، هي أن بلدية عرسال وأهلها، حذّروا المسلحين منذ أكثر من سنة، من الدخول الى المنطقة أو الى البلدة».