#adsense

من ملحم الرياشي الى مارسيل خليفة

حجم الخط

ليس رداً ما اكتبه اليك، إنه ملح السفر ووجع الغياب، او هو القهر الناتج عن سوء التواصل وهو الاصرار على اساءة الاتصال…

وكانت الحرب، وكان على كل من في الحرب ان يحمي عشيرته وقبيلته، ويحرس قبلات أمٍّ تودع فلذتها في نعش ابيض ابيض، وهو يسقط واقفاً حاملاً سلاحه دفاعاً عن القضية… نعم القضية، يا صديقي.

تلك القضية التي ابكتك وابكتنا وابكت الكثيرين، او قل تلك القضية الواحدة التي آمنا بها ولو اختلفنا على اولوياتها، فكان لبعضنا ان يدافع عن الوطن، اي وطن، ولبعضنا الآخر ان يدفع ثمن الدفاع عن الارض والعرض… والوطن.

يوم غادرتَ عمشيت وانت شاب، في اوائل الحرب محمّلاً عبق التراب وعلى كتفك صليب قضيتك والعقيدة التي شاءت الحرب الاهلية البغيضة ان تكون مناهضة لبيئة عمشيت في ذلك الزمن.. كان شابٌ في الجهة المقابلة من مشهد الحرب، يغادر بشرّي على مسافة القهر المرسوم على خدّ امه وتجاعيد جبين ابيه، ويغادر السنة الاخيرة من جامعته ويرمي سمّاعة الطبيب جانباً محاولاً بالقدر الذي … والوزنات التي… ان يطبّب وطن.

عاد هذا الشاب من حروبٍ كثيرة، وقال “لا” مراتٍ عديدة وجديدة، قال “لا”  للاستسلام الى ارادة الآخر، وقال “لا” للاقطاع السياسي، كأيّ مسيحاني مؤمن يعرف الوطن ويعرف حشرجات البرد والمخابز المحروقة وذلك الخبز الاسود المرمي للفقراء على ازقة الاقطاع الذي جسّد جزءاً من الحرب واستغلّ جزءاً غير يسير من اجسادنا.

حمل صليبه وصليبنا “وعيونه بين ستريدا والبندقية” وفي وجه اعتى القوى العسكرية. قال “لا”… نعم قال “لا”  قوية وهادرة أخذت باتفاقٍ سياسي قاهر في 15 كانون الثاني 1986 كان ليأخذ بلبنان نهائياً.

وبعد ذلك التاريخ عادت يولاّ الى عمشيت، وبدأت ترتّب البيت وتهيّء مناخ العودة، حاول بعضهم الاساءة اليها لان الحرب.. الحرب الحرب يا صديقي قد راكمت ما راكمته.

لكن يولاّ لم تعد وحدها،

رفيق ابي يونس عاد ايضاً وهنري صفير وغطاس القصيفي وعبدالله زخيا والياس غانم وسواهم،

زياد الرحباني فتحت له ابواب العودة يوم غاب عاصي ولو لم يعد،

نجاح العطار وزيرة الثقافة في زمن الرئيس الراحل حافظ الاسد دخلت أيضاً الى بسكنتا وشاركت في تشييع الكبير مخائيل نعيمه… وعاد كثيرون، وكانت لك الابواب مشرعة وقد استلحق سليم لحود من قبل الحكيم شخصياً حادثة “الحديث البغيض مع يولاّ”، ليؤكد على يولا حقها وحقك في العودة وفي المكوث وفي البقاء كأنّ شيئاً لم يكن.

يولاّ رحلت من جديد، انتَ لم تعد.. وما اكثر الاستخباريين الذين امعنوا في محاولات أبلسة سمير جعجع وتشويه صورته وشيطنتها، وهذا ما تكرهه انت ويستشيطنا نحن غضباً، ولكن… لكن يا شاعري الكبير رفعتَ حقَّ الآخر في قول الحق، وترافعتَ عنكَ مدافعاً وعنه بكلّ أسف… متهِماً !

حمل سمير جعجع صليبه ومشى، تنــزّه على شفير الجسر، وارتكب حبّ الوطن حتى التعرّض للموت وللموت وللموت، وللاعتقال الاقسى من الموت، لكنّ من يحبّ كثيراً يشتهي صمت الصليب طويلاً، ولا يغالي ولا يتباهى… ولا يتأفف.

ومات أبي أيضاً يا صديقي، أبي الذي انتظر طويلاً عودة اخي المهجّر كما كثر سواه بسبب الحرب، مات محمّلاً بخور الصبر ومسبحة الحب والتسامح والغفران وهو يردد: “هيدي الحرب يا بيّ”،

مات أبي وانا بعدُ يافع فبكيت وبكيت كما يبكي الصفصاف في كانون ليجفّ قلبي كالصخر. ولمّـا مات فريد جعجع بكيت مثلك يا مارسيل لان دموع سمير جعجع خرقت هذا الصخر واخترقت أزمنة الحزن القاسية وليالي الشموع ليصبح التفجّع اعلى من اصوات القنابل.

ومات والدكَ ميشال فبكيتَ انتَ ايضاً ولم تأتِ، لكن الباب كان مفتوحاً وساعد سمير جعجع ممدودة… وستبقى!

في زمن مصطفى العرب الذي يبيع البسكوت قاطعاً ازقة حلب ليقطّعه برميل حديد ساقط، وساقط من طائرة حديدية سافلة بلا قلب، لم يعد للمآقي سرّ الحب انما سحر اوجاع هذا المشرق…

في زمن حبيبي مصطفى اقول لك: قد يكون الحب قوياً كالموت،

لكن السجن اقوى من الموت،

ومن يقوى على السجن…

علمني صليبه الحق

ملحم الرياشي

إلى د . سمير جعجع من مرسيل خليفة

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل