لا بد للمتابعِ للأحداث العراقية الحالية أن يتساءَل عن حقيقة ما يجري، إذ لا يُمكنُ أن يكونَ تنظيمُ داعش بهذه القدرة وعديدُ أفرادِه لا يتعدى الإثني عشرَ ألفَ مُقاتل. فما سرُّهُ إذاً وكيف له أن يَجتاحَ أربعَ محافظاتٍ عراقيةً بهاتين السرعة والسهولة، بوجود حكومةٍ وجيشٍ أُنفِقَت على تدريبه وتسليحه ملياراتُ الدولارات؟
في الواقع، لا أحدَ يَعلمُ لماذا يُستعمَلُ إسمُ داعش لوحدِه من دونِ غيره من مكوناتِ الثورةِ العراقية التي تضمُّ بعثيينَ وصَدَّامِيِّينَ وعسكريينَ سابقينَ وعشائرَ وعَرَباً سُنَّة متضرِّرينَ من ممارساتِ حكومةِ المالكي بحقِّهم !
قد يعودُ السببُ الى شهرة تنظيم داعش ودَمَوِيَّتِهِ وقوتِه الماليةِ والإعلامية، وقد يعودُ إيضاً الى إرادةٍ واضحةٍ من حكومةِ المالكي في تصويرِ الأمرِ برمَّتهِ هجوماً داعشياً على الدولةِ العراقية ومصالحِها من أجلِ استدرارِ عطفِ المجتمعِ الدوليِّ وتبريرِ عنفِ العملياتِ العسكريةِ المُتَوَقَّعَة بحقِّ الثوار، الى جانبِ إرادةِ التَعميَة على المُمارساتِ القَمعيَّةِ بحقِّ مكوِّن أساسيٍّ من مكوِّناتِ الشعبِ العراقيّ.
فالذي يحصلُ حالياً في العراق له بُعدَين: بُعدٌ مَحليٌّ يتعلق بالعرب السُنَّة الرافضينَ تجاهلَ حكومةِ المالكي لحقوقِهم، مما دفعَ بهم الى الثورةِ المسلحة ضدَّ النظام الموالي لإيران وغيرِ العابىءِ بالتوازناتِ الداخلية، الأمر الذي استفاد منه تنظيم داعش للسير قُدُماً على دربِ تحقيقِ حلمِهِ في إقامة الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ وبُعدٌ خارجيُّ يرتبطُ بالولايات المتحدة التي لا تريدُ إيقافَ حركةِ الثورةِ رغمَ كشفِها المُبكِر لها رغبةً منها بوضعِ إيران أمامَ واقعِ أنَّ المنطقةَ ليست مدىً حيوياً إيرانياً وأنَّ عقباتٍ كثيرةً تَحُولُ دونَ ذلك، الى جانب إمكانيةِ أن تكونَ دوائرُ القرارِ في الولايات المتحدة قد تبنَّتْ طروحاتِ جُملةٍ من المُنَظِّرين الأميركيينَ الذين يُجاهرون بضرورة تغيير قواعدِ اللعبة في المنطقة، إذ أنَّ مفهومَ الدولة-الأمة الذي أرستهُ إتفاقيةُ سايكس-بيكو ما عادَ يَصلُحُ برأيِهم لزمانِنا الحاضر، وباتَت إعادة ُالنظر ضروريَّةً، ليسَ في حدودِ الدولِ التي رسمَتها الإتفاقية، وإنما في شكلِ أنظمة الحكم وفي مبدأ مركزية السلطة.