#adsense

آكلة تاكلكن

حجم الخط

كتب أمجد اسكندر في مجلة “المسيرة”: في ثلاث سنوات يا جدتي، حَفظتُ أسماء كل القرى والدساكر في الخريطة العربية. لقد أُجبرتُ جبراً على حفظ هذه الأسماء التي تبدو أصعب وأغرب من إسم قريتنا.

ويا جدتي، كلما سقطت قرية، من تلك القرى، في ليبيا أو العراق أو سوريا، في يد فصيل مسلح، أجدُني مُضطراً الى إعادة النظر في مستقبل الشرق الأوسط.

ولكثرة الكر والفر بين الفصائل والجيوش والشعوب والقبائل، أصبحتُ أرسمُ يا جدتي الخرائط بقلم الرصاص. عشرات آلاف الأميال تنتقل بين ليلة وضحاها، من جيش الى جيش. من طائفة الى طائفة. من قبيلة الى قبيلة. من عصر الى عصر.

كنا نقول يا جدتي، في حربنا اللبنانية: “قُتِلَ ثلاثةُ أشخاص وجُرِحِ أربعة، إثنان منهم إصابتهما طفيفة”. اليوم لا قدرة لنا على العدّ. والأسلوب الصحفي المعتمد هو: مئتان وخمسون بين قتيل وجريح!! خطوط قلم الرصاص، أصبحت أسرع من الرصاص. فالموصل أصبحت دولة، لدولة افتراضية اسمها “داعش”. كان هذا الأسبوع المنصرم. الأسبوع الطالع، لا أضمن لك يا جدتي، أين ستكون الموصل!

كانت لجدتي أملاك وأرزاق في مصر والشام. وكانت جدتي سليطة اللسان. عبد الناصر وحافظ الأسد، صادرا أملاك جدتي، في حربهما ضد الإمبريالية. فردت سليطة اللسان: “آكلة تاكلكن تنيناتكن”. كنت اسألها: من هي هذه “الآكلة” التي تأكل يا ستي؟

وكانت ترد: أيش بيعرّفني يا ستي. لو عاشت جدتي لعرفت أن الشعب قام وثار وأكل شعارات عبد الناصر وحافظ الأسد وسياساتهما ومَنْ خَلَّفا أو مَنْ خَلَفَهُما!

“الآكلة”هي الشعب يا جدتي. والشعب لم يعد يشبع. أكل الحكام وبدأ يأكل البعض بعضه يا جدتي، في دول متآكلة، ومتداعية.

بين جدتي وبين عبد الناصر وحافظ الأسد، كانت المسألة شخصية. كانت تعتبر أنهما يستهدفانها ويستهدفان بناتها (أمي واحدة منهن). لم تكن مقتنعة أن مصادرة الأملاك هي في سياق أنظمة التأميم والمشاريع الدولية. أيش بدن مني؟ أيشني عاملتلن؟

 كانت تشعر بأنها حاضرة على جدول أعمال كل الديكتاتوريين في المنطقة. شعوب بأمها وأبيها تشعر اليوم بأنها في حسابات الدول صفرا على الشمال، وجدتي وحدها كان رأسها برأسَي أهم حاكمين في المنطقة. مخطئة كانت جدتي في تقييمها السياسي، لكن رؤساء دول وزعماء قبائل، ليسوا اليوم بعزّة نفسها.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل