#adsense

أميركا الداء والدواء

حجم الخط

لم تكن السياسة الدوليّة – الإقليميّة في حاجة إلى تطوّرات العراق، كي يتبيّن مدى حضور واشنطن في أزمات الشرق الأوسط سلباً أو إيجاباً، وتتّضح حقيقة ما سُمّي طويلاً “المشروع الأميركي”، مرّةً تحت مسمّى “الشرق الأوسط الجديد”، وثانية تحت عنوان “الشرق الأوسط الكبير” وثالثة تحت شعار “المشروع الصهيو- أميركي” في أدبيّات “جبهة الممانعة والمقاومة” بقيادة إيران.

وطالما تباهى قادة هذه الجبهة وإعلاميّوها بانتصارهم على هذا المشروع وإسقاطه، فجعلوا انسحاب الجيش الأميركي من العراق هزيمة نكراء، ومن حرب تمّوز 2006 في لبنان “نصراً إلهيّا”، ومن الحرب السوريّة كسراً للمثلّث الجهنّمي الأميركي – الإسرائيلي – التكفيري.

بل ذهبوا أبعد، فتوهّموا في بداية “الربيع العربي” قبل 4 سنوات، أنّ الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة بدأت عمليّاً تصدير ذاتها إلى العالمَيْن العربي والإسلامي، وبعضهم جَنَحَ به الخيال إلى حدّ القول بأنّ واشنطن باتت في حكم الساقطة عسكريّاً بعد طردها من الشرق، وبأنّ عصر “صاحب الزمان” قد حلّ.

حتّى أنّ رموزاً من هذه “الجبهة” رسموا مصائر دول المنطقة وشعوبها بمواقف حاسمة: الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد أنذر، من بنت جبيل، إسرائيل بالزوال، وتبعه السيّد حسن نصرالله مراراً بحتميّة انهيارها خلال سنوات معدودات، ووزير خارجيّة النظام السوري وليد المعلّم بإزالة أوروبا عن الخريطة، ثمّ مستشار الوليّ الفقيه الجنرال صفوي بمدّ خريطة إيران، عبر العمق العربي، إلى شاطىء المتوسّط في لبنان وغزّة.

مشروع إمبراطوري فارسي قديم، خطر في بال القيادة الإيرانيّة تجديده تحت إسم “المقاومة والممانعة”.

وبدلاً من سقوط “المشروع الأميركي”، نعاين اليوم بداية انهيار الحلم الإمبراطوري الإيراني على امتداد الهلال من العراق إلى سوريّا ولبنان، مروراً بنجمته في البحرين واليمن.

 والمفارقة المستورة المكشوفة هي تحوّل مشروع إيران إلى مجرّد رديف في خدمة المشروع الأميركي، فلا تتردّد طهران في قبول تدخّل أميركي جديد في العراق، إنقاذاً لما تبقّى من نفوذها عبر إنقاذ حكم نوري المالكي، ولاحقاً إنقاذ حكم بشّار الأسد ومعه مصير “حزب الله”!

نعم، إلى هذا المأزق وصل “المشروع الإيراني”: المالكي يستجير بالجيش الأميركي، إيران تبيع في فيينا مشروعها النووي لتفادي الغرق الكبير في وحول العراق وسوريّا، الأسد يتحسّس كرسيّه التي ظنّ أنّه تربّع عليها 7 سنوات جديدة، “حزب الله” من ورطة إلى أكبر، يستورد جثث قتلاه زرافات وليس وحدانا.

في الأساس، لم يكن المتابعون والمطّلعون مخدوعين أمام تقاطع المصالح الإيرانيّة – الأميركيّة – الإسرائيليّة. وها هو الآن في أجلى صوره. قطيع “الممانعة والمقاومة” يسير وراء راعيه الأميركي.

 ويجلس أوباما الآن( برغم تردّده وضعفه)، أمام البيت الأبيض، يعدّ جثث أعدائه، أو يتدلّل في تلبية استغاثات “الجبهة العالميّة ضدّ الاستكبار”، ويفكّر بانتقاء أهون السبل وأكثرها راحةً ومردوداً للتدخّل.

في الواقع، تمرّ “جبهة الممانعة والمقاومة” في حالة إذلال كبير، وهي تنتظر الإغاثة الأميركيّة، فلا يأتيها إلاّ الفتات: طلعات جوّية إستخباراتيّة، مستشارون عسكريّون، مئة جندي لحماية السفارة، مع دعوة صريحة لإنهاء سلطة المالكي وتوسيع المشاركة السنيّة في الحكم.

حتّى ألسنة الممانعين في لبنان أُصيبت بالعَيّ، فلا تلفزيوناتهم ولا صحفهم ولا مواقعهم الإلكترونيّة، تتناول “الشيطان الأكبر” بأيّ سوء. بات التدخّل الأميركي حاجة وزورق نجاة، ولا غرابة في أن نسمع قريباً مديحاً في “الملاك الأكبر”!

هؤلاء الذين كانوا يرون في واشنطن عدوّاً، ولو في الشكل، باتوا يستجدون صداقتها في الشكل والأساس.

مياهٌ كثيرة ستجري تحت جسور “الممانعين”، ومساعدات وإغاثات، بعضها بموافقة إسرائيل وبركتها، على طريقة المهرّبين في المسرح الرحباني، الذين كادوا يطلبون مساعدة من الجمرك !

في الأمثال اللبنانيّة: على الأموات لا تجوز إلاّ الرحمة.

وهم جميعاً، بأمواتهم وبمن سيبقون أحياء، باتوا يسلّمون بأنّ أميركا داءٌ ودواء.

هنيئاً لمن لهم دواؤها بدون دائها… وهم قلائل، في أيّ حال .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل