مهمٌّ جدًّا أن ينفي «حزب الله» ذهابه إلى العراق تلبية للنداء المذهبي العاصف، لكنَّ في ذلك معضلتين كبيرتين. الأولى أن أحداً خارج سياقه ومناخه السياسي لا يصدّق ذلك النفي. والثاني هو أن الضرر وقع فعلاً، وأخذ من يريد، المبرّر المطلوب لاستئناف الاستهداف الإرهابي والترهيبي للبنانيين.
في الأولى، صعب تماماً بل مستحيل نفي الوقائع القائلة إن «حزب الله» موجود أصلاً في العراق ومنذ الأيام الأولى التالية للدخول الأميركي إليه في العام 2003. وأنه الآن لن «يقصّر» لحظة واحدة في «المهمات والواجبات المقدّسة» المطلوبة منه هناك.. وما الكلام المنسوب إلى أمينه العام قبل أيام سوى تأكيد إضافي على ذلك! وواهم من يفترض العكس. أو يعتبر أن ما يجري في العراق يمكن أن يوزن عند الحزب بميزان الربح والخسارة. أو أن تؤدي نكبة التورط في سوريا إلى تخفيف الغلواء عنده أو إيثار التواضع على المكابرة، أو النظر إلى الدنيا بواقعية باردة!
في الثانية، عَوْدٌ على بدء. نفى «حزب الله» بداية (لمن يتذكّر) أنه يقاتل في سوريا. ثم عدّلت الوقائع الدموية في نفيه، فانطلق كالرمح، على عادته، لتقديم سلسلة تبريرات لما يرتكبه، في رأسها تحميل الآخرين تبعات ومسؤوليات قراراته هو! لكن ما تلا ذلك الصلف كان كافياً لانقلاب المشهد: ذهب بحجّة مساعدة الطاغية على إطفاء نار الثورة السورية ضده، فإذ به يستورد تلك النيران إلى الداخل اللبناني وبأبشع صورها!
مهمّة جدًّا «هوية» من حمل النار الانتحارية والإرهابية إلى لبنان، لكن الأهمَّ منها هو الوعاء الذي أمّنه الحزب لنقل تلك النار، من خلال تشاوفه بالمشاركة في قتل السوريين.
اليوم يتكرّر ذلك الصلف وبجرعات هستيرية مضاعفة. ولا تهم الوقائع قبل انكشافها، أي لا يهم معرفة «حجم» التدخل في العراق طالما أن السيد نصرالله بنفسه قال ما قاله قبل أيام عن «حماية المقدسات» وانتهاء تواريخ وأزمان وبدء نقيضها!
تفجير الأمس في ضهر البيدر هو استثمار سريع لذلك الإعلان! لكن السؤال الفعلي اليوم كما في التفجيرات السابقة: أيّها من فعل الجماعات الإرهابية التكفيرية؟ وأيُّها من فعل الجماعات الأسدية؟
بل هل هناك فارق جوهري بين هذه وتلك؟