بين العناوين الكثيرة التي يمكن اطلاقها على هذه المرحلة من تاريخ لبنان السياسي، عنوان “التضليل”، فهو على ما يبدو بضاعة السياسيين الفاسدة المعتمدة للترويج، وهو أفيون الأتباع الذين لا يميزون الغث من السمين.
والتضليل يبدأ من اعتبار أزمة انتخاب رئيس الجمهورية هي أزمة وفاق وتوافق وليست مشكلة تأمين نصاب وتعطيل جلسات برلمان واجبه الأول والأخير هو انتخاب رئيس.
والتضليل يستمر في سلوك بعض الوزراء التشبيحي الذي يدعو بحكمة مفتعلة إلى تأمين عمل المؤسسات بشكل طبيعي لئلا يتعمم الفراغ فندخل في المحظور. وما المحظور يا حبيبي ايها الوزير الحريص أكثر من تغييب رأس الدولة والتعامل مع قضية جلل بهذا الحجم على أنها تفصيل تقني حله بسيط حين يتوافر التوافق الإقليمي والدولي؟
والتضليل لا يتوقف على الزعبرة في مفهوم الديمقراطية وضرب الحد الأدنى منها الذي يمنحنا إياه النظام البرلماني والدستور اللبناني، بل ينسحب على الشأن السياسي الكبير والمطلبي الصغير.
فبالتضليل يصير تورط “حزب الله” في الحرب ضد ثورة السوريين، مواجهة مطلوبة للارهاب الداعشي، وبالتضليل تصير الأصولية لدى “حزب الله” نعمة كانت واجبة الوجود لو لم توجد، في حين أن أصولية الباقين رجس من أعمال الشياطين.
بالتضليل يصير عنوان التطبيع الحكومي مع الفراغ الرئاسي “آلية” لتسيير شؤون الناس، وحادثا التفجيرين الانتحارين الأخيرين نجاحا أمنيا بدل أن يكونا نكسة في مسيرة استعادة الأمن بالتوافق الهش مع منتهكيه.
بالتضليل تتحول أزمة السلاح غير الشرعي التي هي “أم الأزمات” الى موضوع يستوجب غض النظر لأن الأولوية اليوم هي لمعالجة الشأن الاجتماعي، ومطالب هيئة التنسيق بالتحديد. والهيئة تريد مطالبها من دولة غير موجودة ليس بفعل “حيتان المال” المفترسين، إذ كانوا دوما حاضرين، بل بفعل استحالة قيام دولة لا رأس لها ولا سلاح واحداً، وتنتشر فيها البؤر الأمنية، ويتمتع فيها صاحب السلاح بالحق الحصري في اقامة سياسة خارجية وتحالفات إقليمية، وفي امتلاك الصواريخ واعلان الحروب على العدو وعلى الأخ وعلى الشعب الشقيق. من كل ذلك باتت تتفرع الأزمات الاجتماعية وليس العكس بالتأكيد، شاء ام أبى الرفيقان شربل نحاس وحنا غريب المضلَّلان ثم المشاركان في التضليل.
التضليل ايضا حاضر في توهم الاستثمار بتوظيف عشرة آلاف عنصر أمني جديد لردع الارهاب والارهابيين، في حين ان جوهر المشكلة في الميليشيات التي هي أقوى من الدولة وفي القرار السياسي المركزي المستحيل، وفي رؤية دور لبنان المشوشة، وفي رفض قسم من اللبنانيين سياسة الحياد وتضليلهم الجميع بأنهم يمارسون “النأي بالنفس” بأسلوب عصري.
هذه كلها سياسات أم كلها تضليل بتضليل؟