كتب د. أكرم سكرية في “المستقبل”:
قاومت بيروت (حركة وطنية لبنانية ومقاومة فلسطينية) الإجتياح الإسرائيلي عام 1982. حرَّرَت المقاومة الوطنية اللبنانية (حزب شيوعي لبناني، منظمة عمل شيوعي، حزب سوري قومي إجتماعي، وغيرها) وحركة أمل وقوى في المقاومة الفلسطينية، بيروت وصيدا وجبل لبنان والبقاع الغربي من الإحتلال الإسرائيلي («حزب الله» لم يكن موجوداً بعد).
منع النظام الأسدي هذه القوى من إستكمال تحرير ما تبقى من الجنوب اللبناني تحت الإحتلال الإسرائيلي. وأعطى، أي النظام الأسدي وهو نظام الوصاية على لبنان في حينه، حقاً حصرياً بالمقاومة من أجل تحرير ما تبقى من أراض محتلة في الجنوب اللبناني، لما عرف بـ «المقاومة الإسلامية في لبنان». (أنظر التسمية : «المقاومة الإسلامية في لبنان» وليس «المقاومة الإسلامية اللبنانية» للتدليل على أنها جزء من مشروع إسلامي أكبر من لبنان وهو المشروع الإيراني).
شرَّعت الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري»المقاومة الإسلامية في لبنان» من أجل تحرير ما تبقى من أراضىٍ محتلة في الجنوب اللبناني من الإحتلال الإسرائيلي في العام 1996، دولياً.
أنجزت «المقاومة الإسلامية في لبنان» تحرير الأراضي المحتلة في العام 2000. فسارع أمين عام «حزب الله» بتمرير شعار «المقاومة التي تحرّر تحكُم»، والمقصود في المقاومة هنا «المقاومة الإسلامية في لبنان حصراً».
أغتيل الرئيس الشهيد مشرّع «المقاومة الإسلامية في لبنان»، رفيق الحريري يوم 14 شباط عام 2005 (إتهمت المحكمة الدولية، فيما بعد كوادر من هذه المقاومة بإغتيال الرئيس الشهيد).
فلماذا إغتالت «المقاومة الإسلامية في لبنان» شريكها الأساسي في التحرير؟ ببساطة كلية، لأنها لاتريده شريكاً في الحكم.
فالرئيس الشهيد رفيق الحريري، بما توفر له من إمكانات مادية وعلاقات دولية لايمكن شراؤه لا بمال ولا بسلطة لذلك وجب التخلص منه جسدياً، في إطار مشروع الهيمنة الإيرانية على المشرق العربي وفي إطار إخضاع لبنان لحكم آل الأسد المرتبط عضوياً مع مشروع الهيمنة الإيرانية.
إلا أن عملية الإغتيال هذه، وما سبقها (محاولة إغتيال الوزير السابق مروان حمادة) وما تلاها من عمليات إغتيال شخصيات من قوى الرابع عشر من آذار، وكان آخرها إغتيال الوزير السابق محمد شطح، إن هي إلا خطوات تنفيذية لشعار «المقاومة التي تحرّر تحكم».
أما المحطة الثانية في بناء مشروع حكم لبنان فكانت مقولة حكومة التواطؤ مع العدو الصهيوني، التي رفعها حزب الله على آثر عدوان تموز.( وتسمية حزب الله هي تسمية تكفيرية بحد ذاتها) فلقد ذكر الصحافي والوزير السابق غسان تويني في كتاب سيرته الذاتية، أنه قال لأمين عام حزب الله «كيف تسمحون لأنفسكم بتسمية حزبكم «حزب الله» فأنا من حزب الله ولست عضواً في حزبكم»؟
وخلال عدوان تموز عام 2006، بعد أن شكر أمين عام «حزب الله» حكومة الرئيس فؤاد السنيورة على الجهد السياسي والدبلوماسي خلال الأسبوعين الأخيرين من العدوان، وبعد أن سمَّاها الرئيس نبيه بري حكومة المقاومة السياسية، بعد نهاية العدوان بأسبوعين. أطلق عليها أمين عام حزب الله مقولة «حكومة التواطؤ مع العدو الصهيوني» في مهرجان «النصر الإلهي» في 22 أيلول عام 2006 لتكون الوطنية اللبنانية حقاً حصرياً للمقاومة الإسلامية في لبنان. (كان النظام الأسدي، وعلى لسان رئيسه قد اطلق مقولة تجيير النصر على إسرائيل على الصعيد الداخلي في لبنان في أوائل آب عام 2006 في مهرجان سياسي في جامعة دمشق).
وللتذكير أيضاً فإن كتاب «صفحات مجهولة من حرب تموز 2006» يؤكد على التنسيق التام والتفصيلي في كل الخطوات بين الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة. أصدر هذا الكتاب الوزير علي حسن خليل وقدّم له الرئيس نبيه بري عام 2012.
أما المحطة الثالثة في بناء مشروع حكم لبنان فكانت مقولة « اليوم المجيد» التي أطلقت على غزوة بيروت في 7 آيار بحجة قرارات حكومية تطال سلاح الإشارة للمقاومة الإسلامية في لبنان. وهذه المقولة التي تؤكد على الحق الحصري لسلاح المقاومة في إنتاج القرارات الحكومية في لبنان.
أما المحطة الرابعة في مشروع حكم لبنان فكانت مقولة «الأكثرية الفعلية والأكثرية الوهمية» التي أطلقها أمين عام «حزب الله» بعد الإنتخابات النيابية عام 2009.
فبعد أن منع «حزب الله» مندوبي اللوائح المنافسة له من الدخول إلى أقلام الإقتراع في مناطق هيمنته مستخدماً أشكال التهديد والوعيد والعنف كافة، ما أدى إلى رفع نسبة التصويت في هذه المناطق بشكل مفتعل إلى 55% من عدد الناخبين. أطلق مقولة «الأكثرية الفعلية والأكثرية الوهمية» موحياً لأبناء طائفته الشيعية الكريمة بأنهم الأكثر عدداً وبأن حقوقهم في لبنان منتقصة.
أما المحطة الخامسة في بناء مشروع حكم لبنان فكانت إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي كان يترأسها دولة الرئيس سعد الحريري واللجوء إلى إستخدام منطق العنف والغلبة، من خلال إنزال «مقاومي» ما عرف بـ «القمصان السود» إلى الشارع ما دفع بالزعيم وليد جنبلاط إلى أن يسمى الرئيس نجيب ميقاتي في الإستشارات النيابية الملزمة في الإستشارات الثانية بعد أن كان قد سمى الرئيس سعد الحريري في الإستشارات النيابية الأولى قبل أسبوع «درءاً للفتنة السنية-الشيعية» كما عبَّر عن ذلك حينه.
ومع إنطلاق الثورة السورية في 25 آذار2011 . وكذلك مع سقوط مرشح الحرس الثوري محمود أحمدي نجاد ونجاح المرشح حسن روحاني المدعوم من المعارضة الإصلاحية الإيرانية، ممثلة بالسادة رفسنجاني ومحمد خاتمي ومير حسين موسوي، بدأ سقوط شعارات ومقولات السنوات العشر الماضية لحزب الله في إطار مشروع حكم لبنان التي ما كانت لتولد لولا الرعاية والدعم الإيراني الأسدي المباشر لها.
وهذا ما تم التعبير عنه لبنانياً بالمحطات التالية :
1 إستقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2013.
2 تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام من دون الثلث المعطل ولا ثلاثية «جيش وشعب ومقاومة» عام 2014.
3 تنفيذ الخطة الأمنية في الضاحية الجنوبية ومنطقة بعلبك الهرمل عام 2014.
4 خطاب فخامة الرئيس ميشال سليمان في السنة الأخيرة من ولايته بعد أن رفض «حزب الله» العودة إلى طاولة الحوار في القصر الجمهوري لمناقشة الإستراتيجية الدفاعية التي كانت ستؤدي حكماً إلى وضع سلاح «حزب الله» بإمرة الدولة اللبنانية. ودعم غبطة البطريرك بشارة الراعي لخطاب الرئيس ميشال سليمان.
5 الحوار الذي سعى إليه العماد ميشال عون مع الرئيس سعد الحريري بعنوان رئاسة الجمورية والذي طال ملفات عديدة منها وضع سلاح «حزب الله» بإمرة الدولة اللبنانية. وهذا ما عبَّر عنه العماد ميشال عون في مقابلة مع محطة تلفزيون المنار في آيار عام 2014 بقوله «بأنه لابد لأي سلاح على الأرض اللبنانية من مرجعية الدولة».
6 تبرئة وإطلاق سراح الشيخ حسن مشيمش الذي كان إعتقل بتهمة العمالة للعدو الصهيوني من قبل «حزب الله».
7 إعتقال الشيخ عمر بكري الذي كان قد نقله نائب حزب الله المحامي نوار الساحلي بسيارته بعد إطلاق سراحه من المحكمة سابقاً.
8 الإبقاء على الوزير السابق ميشال سماحة معتقلاً منذ توقيفه ناقلاً المتفجرات في سيارته من دمشق إلى طرابلس.هذا الأمر الذي لم يكن ليتم لو تسنى لحزب الله إمكانية إطلاق سراحه.
هذا الأمر ولّد تململاً داخل المجال الشيعي. وبدأ يعبر عن نفسه بجملة مواقف سياسية منها :
1 مواقف الرئيس نبيه بري بضرورة التوازن السياسي الذي يحفظ إتفاق الطائف من جهة (وهذا عكس ما كان يرغب به «حزب الله» وما طرحه من مشروع مؤتمر تأسيسي) ويمنع حصول الصدام العسكري بين حركة أمل وحزب الله من جهة أخرى.
2 تقدم الرئيس حسين الحسيني بإقتراح قانون لمجلس النواب يقضي بإعتماد النسبية في أي قانون إنتخابات نيابية مقبلة ما يعكس ثقة الرئيس حسين الحسيني بخيارات البيئة الشيعية البعلبكية المتمايزة عن خيارات حزب الله.
هذه المواقف شكّلت بمجملها حراكاً سياسياً شيعياً مناهضاً لأداء حزب الله ظهرت تجلياتها في دراسة أجراها أحد مراكز الدراسات الإحصائية (دراسة غير منشورة) حول تطورات الإتجاهات السياسية لطلاب كليات الجامعة اللبنانية في البقاع والتي أجريت في العام 2003، ومن ثم أعيد إجراؤها في العام 2013 وقد أظهرت هذه الدراسة :
أولاً : إرتفاع نسبة الوعي عند هؤلاء الطلاب بمفهوم المواطنية من 54.5% عام 20003 إلى 80.4% عام 2013.
ثانياً : إرتفاع نسبة الوعي لديهم بمفهوم الديمقراطية من 11.9% إلى 60% عام 2013.
ثالثاً : تراجع تأيدهم الإنتماء إلى حزب سياسي من 56.5% عام 2003 إلى 17.8% عام 2013. وهو تراجع بنسبة تزيد على الضعفين.
ما يعني أنّ هؤلاء الطلاب يبحثون عن مرجعيات ثقافية وسياسية مختلفة عمّا كان سائداً منذ عشر سنوات.