المدرسة البطريركية.. 150 عاماً من تاريخ بيروت

تمرّ الحداثة بكل ما تحمله من تغييرات هندسية واجتماعية واقتصادية ببيروت من دون أن تتجرأ على الهيمنة على بعض المعالم والصروح. فتلك عصيّة تنتصب بجمال وعراقة مستمدة إشعاعها من التاريخ، من أيام ما كانت بيروت «ستّ الدنيا». وقد أضحت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ المدينة، فانصهرت معها برواية واحدة، حتى كادت تكون بيروت هي الصرح والصرح هو بيروت.
من هنا، ينطلق الأب الدكتور ميشال السبع في كتابه التأريخي عن المدرسة البطريركية، وقد أعطاه عنوان «المدرسة البطريركية مائة وخمسون عاماً من تاريخ بيروت». ووقّعه أمس الأول البطريرك غريغوريوس الثالث لحام في احتفال جمع حشداً سياسياً وثقافياً واجتماعياً في مركز البطريركية في الربوة.
يروي الكاتــــب في خمسة فصول المراحـــــل التي مرّت بها المدرسة بدءاً من التأسيس وصــــولاً إلى المرحلة المتجددة. وقد صاغهـــــا بقالب تاريخي يؤرخ للحقبة العثمانية وما تلتها من مراحل ســياسية.
يشار إلى أن البطريرك إكليمنضوس بحوث طلب إنشاء المدرسة من المتصرّف داوود باشا، واشترى لها أرضاً من عائلة الزند في المصيطبة، لكنّ الصرح لم ينتصب إلا أيام خلفه البطريرك غريغوريوس يوسف سيور. وقد صمّم الصرح مهندسون إيطاليون وعثمانيون بما يتلاءم مع بناء السرايا، على هضبة مطلّة على بحر بيروت. وهذا ما أرضى الطبقة البرجوازية في زقاق البلاط.
تسجّل في السنة الأولى للتأسيس خمسون تلميذاً ذكراً، كما يذكر السبع. وكان للتلميذ الآتي من خارج بيروت وكيلاً فيها، وهم في معظمهم من أبناء القناصل وبعض العائلات المقتدرة. وتتلمذ هؤلاء على أيدي أسماء لامعة في الأدب والمعرفة، مثل ناصيف وابراهيم وخليل اليازجي، ومحيي الدين اليافي وشديد حبيش وسليم تقلا.
كان الطلاب داخليين ويرتدون لباساً عسكرياً، وهم من الأوائل الذين كانوا يقدمون عروضاً مسرحية أيام الصيف ومنها كوميدية بالفرنسية، وذلك منذ العام 1869. وكانوا يأتون من دول الجوار، إذ شكّل الآتون من مصر 20 في المئة من نسبة التلاميذ وفلسطين 11 في المئة والشام 17 في المـــئة ومناطـــق أخرى مختـــلفة 20 في المئة، ليشكل اللبنانــيون من المجموع 32 في المئة (وهي نســـــب اختلفت في ما بعد). وكــــان من تلاميذ المرحلة الشــاعر خلـــيل مطران وآخرون أسسوا وكتبوا في مجلات وصحــف شهيرة كـ«الأهرام» وغيرها.
بعد المرحلة التأسيسية استلم رئاسة المدرسة الأب يوحنا عكة، وقد تولى تلك المهمات مدة 34 سنة إذ كان يشتهر بتواضعه وإتقانه العمل الإداري. وهو أول من نظم رحلات صيفية للتلامذة، فكان يأخذهم إلى عاليه ويصرف عليهم مبالغ طائلة فاقت 5 آلاف قرش، علماً بأن البطريركية كانت قد اشترت كروماً وأراضي بـ3500 قرش.. ولم تدخل الفتيات المدرسة البطريركية إلّا في العام 1959 فكن نحو 29 فتاة من أصل 538 تلميذاً.
عصفت الحرب بالمدرسة كما عصفت ببيروت من دون أن تؤثر في رسالتها، فظلّت جامعة على الرغم من الانقسامات من حولها. كتب السبع في المدخل إلى الكتاب «المؤكد أن أساس قيام المدرسة البطريركية كان إقامة مؤسسة تربوية تعنى بالخط الوطني والديني لا الطائفي والتعايش الأخلاقي من خلال شعارها الفضيلة والعلم، وهي بعد مئة وخمسين عاماً ما زالت وفية لما قامت عليه».
بالأمس اجتمعوا للاحتفال بتاريخ المدرسة، فكانت كلمة للوزير ميشال فرعون باسم الرئيس تمام سلام وهما عضوان في مجلس أمانتها، وكلمات أخرى لكل من الوزير السابق أيوب حميد وعميد كلية الإعلام جورج كلاس، وللتلميذين السابقين فيها عميد كلية الطب في «الجامعة اللبنانية» الدكتور بيار يارد والمدير العام لوزارة التربية جورج نعمة. تحدث هؤلاء عن تجربتهم مع المدرسة وفيها قبل أن يختتم البطريرك لحام الكلام بالإعلان أن المدرسة البطريركية «لبنانية بامتياز. تسير في خطّ تاريخ وتراث وثـــوابت ومبادئ المجتــــمع اللبناني المتميّز بانفتاحه وآفاقه وإبداعاته وخطّه الحضــاري المتفوّق».

المصدر:
السفير

خبر عاجل