#adsense

سيناريوهات الأزمة العراقية من التقسيم إلى رحيل المالكي

حجم الخط

تنظيمات جهادية متطرفة ما بين القاعدة وتنظيم داعش… واحتلال وانسحاب أميركي من العراق…. وحكومات طائفية متتالية… وأوضاع اجتماعية واقتصادية متدهورة،  تطورات متلاحقة وسيناريوهات مفتوحة، تلخص المشهد العراقي على مدار السنوات الماضية وتحديداً منذ الاحتلال الأمريكي في 2003 وحتى سيطرة داعش على العديد من المدن العراقية في 10 يونيو 2014ما يرشح الأمر للمزيد من السوء خلال المرحلة القادمة في ظل تعنت رئيس الوزراء نوري المالكي وتمسكه بالسلطة وفي ظل استمرار تقدم داعش على الأرض، وقد احتفلت عناصرها أمس الثلاثاء 24 يونيو في استعراض عسكري كبير بانتصاراتها وبأسلحة قوات المالكي بعد انسحابها.

سنحاول في هذه الورقة قراءة سيناريوهات الأزمة العراقية في المرحلة القادمة، وما يمكن أن تؤول إليه الأمور، خاصة في ظل وجود مواقف دولية مرتبكة ومدركة في نفس الوقت لخطورة الأوضاع في العراق وتأثيرها على أمن المنطقة بشكل عام، ومواقف إقليمية منقسمة ما بين مؤيدة للمالكي – إيران – ومعارضة له ولسياساته الخاطئة التي أوصلت الأمور إلى هذه المرحلة الحرجة في تاريخ الدولة العراقية.

 سيناريوهات محتملة:

  اثبت تقدم تنظيم داعش في العراق أن هناك ملامح جديدة ظهرت على النظام الدولي، وتنذر بحدوث تغير واضح في خارطته المستقبلية، حيث أصبح هناك فاعلون من غير الدول يساعدون بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في حدوث تحولات إقليمية سيكون لها تأثير على كافة دول المنطقة.

فمع انهيار الجيش العراقي، ومساعدة بعض أهالي المحافظات الغربية -ذات الأغلبية السنية – للتنظيم، تقدم داعش ميدانياً، بدرجة أثارت القلق الإقليمي والدولي والداخلي في العراق، وأصبح التساؤل ما السيناريوهات المختلفة التي يمكن أن تشهدها الدولة العراقية في المرحلة القادمة؟

1-سيناريو التقسيم:

      وهو السيناريو الذي ساعد عليه الاحتلال الأمريكي من خلال إرساء مفهوم المحاصصة الطائفية وغرز هذا المفهوم داخل الدولة العراقية، كما عززت منه سياسات رئيس الوزراء نوري المالكي الطائفية وكذلك العنف المتعمد مع الحراك الشعبي الذي ظهر منذ حوالي عامين في محافظات صلاح الدين والرمادي والموصل وديالي، حيث بلغ هذا القمع ذروته في فض اعتصام الأنبار وأحداث الحويجة في أبريل 2013.

   وبات العراق أمام سيناريو التقسيم لعدد من الدويلات والأقاليم، وطبقاً للدستور هذا جائز خاصة مع حصول إقليم كردستان العراق عليه وإقامة إقليم كردى داخل الدولة الفيدرالية، حيث أكد الدستور على إمكانية إقامة نظام فيدرالي ومبدأ اللامركزية الإدارية، وتنشيط دور الإدارات المحلية، وهو ما يجعلنا نرسم خارطة المتوقعة والمحتملة للتقسيم، على النحو التالي:

%D8%A7%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%20%

إقامة إقليم سني (يبدأ من محافظة ديالى في الشرق وصلاح الدين وانتهاء بالأنبار في الغرب)

    وهو الإقليم الذي زادت من فرص وجوده سيطرة داعش على عدد من المدن العراقية بدأتها بمدينة الموصل ثم تكريت وصولاً للقائم وتلعفر، علاوة على سيطرة داعش على المرافق الحيوية في المدن، وحصول داعش على عدد كبير من أسلحة القوات العراقية حتى أصبحت على مشارف العاصمة بغداد.

   كما استغلت داعش شعور أهالي هذه المنطقة بالتهميش والإقصاء، بالإضافة إلى استغلال التنظيم التوتر القائم بين القوا ت المركزية وقوات البيشمركة ليشن العديد من الهجمات اعلى طول الخط المتنازع عليه بين العرب والأكراد شمال العراق، حتى استطاعت القوات الكردية إحكام السيطرة على مدينة كركوك وتأمينها من داعش، علاوة على مناطق جلولاء وخائفين، وهو ما دفع وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال زيارته لكردستان العراق، في 24 يونيو الجاري لحث القيادات السياسية في الاقليم على عدم الانسحاب من العملية السياسية في بغداد، بل والمشاركة في الحكومة الجديدة في بغداد والسعي لتولي مناصب رفيعة تتيح لها المشاركة في القرارات المتعلقة بالثروة النفطية.

ولكن ثمة العديد من العوائق تعيق سيناريو التقسيم فيما يخص السنة يمكن أن نحددها فيما يلي:

1- عدم وجود تماسك سياسي بين الفضائل السنية المختلفة، وبينها وبين تنظيم داعش وهو ما ظهر في إعلان أسامة النجيفي زعيم كتلة متحدون ورئيس البرلمان، وقوفه ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ومنهجه التكفيري، والدعوة إلي الفصل بين الحراك الشعبي الذي تشهده المحافظات الغربية منذ عامين وبين تنظيم داعش وغيره من التنظيمات التكفيرية، فكلا الطرفين – الفصائل السنية وداعش- مختلفان في رؤيتهما لمستقبل الدولة العراقية، خاصة في ظل إعلان داعش عن تشكيل دولة إسلامية تشمل العراق والأردن وسوريا والكويت وفلسطين، وهنا يمكن الإشارة إلي تأييد ومساندة بعض الفصائل لتنظيم داعش ومنها الجيش الإسلامي وجيش المجاهدين، في حين يهدف الحراك الشعبي السنى بالأساس إلى معارضه ومواجهة سياسات المالكي الطائفية دون المساس بوحدة واستقرار الدولة، ومن ضمن هذه القوى كتائب ثورة العشرين بقيادة حارث الضاري ورجال الطريقة النقشبندية.

2-التداخل المناطقي أو ما يطلق عليه المناطق المتنازع عليها وتقاسم الموارد وكيفية إدارتها وهو ما يتطلب توحيد الصف السني لإنجاح الإقليم على غرار ما يحدث في إقليم كردستان العراق.

الإقليم الشيعي: (يتركز في محافظات جنوب العراق والوسط والبصرة )

وهو الإقليم الذى تتركز فيه المزارات والعتبات الشيعية المقدسة، وهى الأماكن الذى يصعب على مقاتلي داعش السيطرة عليها، وهو ما جعل قوات المالكي تتركز في مدينة سامراء حيث يوجد بها مرقد الإمامين العسكريين علي الهادي الإمام العاشر وحسن العسكري الإمام الحادي عشر لدى الشيعة الاثني عشرية، مما دفع المالكي  في 13 يونيو الجاري إلي زيارتها والإعلان منها عن بدء عملية تطهير البلاد من داعش، علاوة على تمركز أهم الحقول النفطية في البلاد في البصرة وميسان وذي قار، كما تحتوى المنطقة الجنوبية على ما يقرب من 71% من إجمالي الاحتياطي، وعلى الرغم من أن احتمالات وفرص قيام هذا الإقليم على الأرض أقوى من إقامة الإقليم السنى، إلا أن هذا يصعب تحقيقه في تلك المرحلة بالتحديد مع ظهور انقسام واضح في صفوف المكون الشيعي وهو الانقسام الذى ظهر جلياً في انتخابات البرلمان الأخيرة في أبريل 2014، علاوة علي تحفظ الموقف الإيراني من هذا التقسيم وانعكاسات ذلك علي القوي السياسية الشيعية العراقية.

إقليم كردستان: (يتركز في دهوك وأربيل والسلمانية)

   وهو الإقليم الوحيد الذي أقيم بالفعل واستفاد بشكل واضح من الدستور العراقي، ويعد الإقليم رمزا واضحا لإمكانية التعايش الطائفي، وإن كان قد مر الإقليم بالعديد من الخلافات مع الحكومة المركزية خاصة فيما يتعلق بميزانية الدولة وتصدير النفط والغاز، مما دفع الإقليم وعلى لسان رئيسه مسعود بارزاني إلى التفكير في إعادة النظر في العلاقات مع الحكومة المركزية، ودعوة الجماعات الإسلامية في الإقليم إلى الإعلان عن نيتها في تأسيس الدولة الكردية المستقلة، وهو ما ناقشه برلمان أربيل في مارس الماضي.

   كما أن سيطرة قوات البيشمركة على العديد من المناطق لصد داعش ومواجهتها، من شأنه أن يفتح المجال للعديد من الخلافات والصراعات حول الحدود بين الأقاليم العراقية في المدى المنظور، خاصة فيما يتعلق بمدينة كركوك واشكاليات تطبيق المادة (140) من الدستور العراقي، بعد تصريح وزير الموارد الطبيعية في إقليم كردستان عن ربط حقول كركوك بخط أنابيب كردى الذي ينقل الخام إلى تركيا.

2- رحيل المالكي وسيناريو تفكيك الأزمة

     تتصاعد الأزمة العراقية كل يوم، وهو ما دفع القوى الداخلية والخارجية في بحث مسارات حلحلة الأزمة وتفكيكها، فعلى مستوى القوى الداخلية، تعارض معظم القوى السياسية العراقية استمرار رئيس الوزراء الحالي في الحكم وتحمله مسئولية مآلات إليه الأوضاع في العراق، وعلى رأس هذه القوى كتلة متحدون بزعامة أسامة النجيفى -تعد أكبر كتلة سياسية سنية-، وكذلك الأكراد حيث حمل نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة الإقليم المالكي المسئولية، وأكد أن العراق في طريقه إلى الفيدرالية الحقيقية في حال منح السنة إقليم خاص بهم لتجنب هذه النوع من المشكلات، كما أشار مسعود بارزاني في لقاء مع أسامة النجيفى في 20 يونيو الجاري على ضرورة حل المشاكل القائمة بالطرق السياسية، وضرورة مشاركة كافة الفصائل السياسية بشكل فعال.

      كما سعت القوى السياسية الأخرى إلى إيجاد مخرج آمن للأزمة يجنب الدولة التفكك أو الانهيار، وهنا قدم رئيس ائتلاف الوطنية آياد علاوى في 20 يونيو الجاري مبادرة للخروج من الأزمة تتضمن وضع خارطة طريق للخروج بالعراق من الفوضى الحالية، والسعي لإجراء مصالحة وطنية لضمان عملية سياسية شاملة لا تُقصي سوى الإرهابيين والقتلة، علاوة علي إعادة تشكيل المؤسسات الوطنية الرئيسية والتي من شأنها إقامة دولة المواطنة بعيداً عن المحاصصة، ولاسيما من المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، والدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية في وقت لا يزيد عن الثلاث سنوات، لفتح الطريق أمام حكومة انتقالية قادرة على إقامة انتخابات حرة ونزيهة، علي أن تضم هذه الحكومة القادة السياسيين الأساسيين، بالإضافة إلى شخصيات محدودة من التكنوقراط.

     وعلى صعيد الكتل السياسية الأخرى تم بحث سبل حل الأزمة، وذلك من خلال لقاء ضم كلا من رئيس التحالف الوطني إبراهيم الجعفري ورئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس البرلمان وزعيم ائتلاف متحدون أسامة النجيفي وزعيم المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم ونائب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي وعددا من قادة الكتل السياسية، حيث تم التأكيد على أهمية تجنب الممارسات الطائفية والحفاظ على الوحدة الوطنية، وصدر عن هذا الاجتماع بيان ختامي أكد على مجموعة من النقاط الأساسية، من بينها تجنيد كل الإمكانات، وتحشيد كل الطاقات البشرية تجاه الخطر الإرهابي الذي يهدد أمن وسلامة العراق، والدفاع عن الدولة، ومناشدة الوضع الإقليمي والدولي الوقوف إلى جانب العراق لمواجهة هذا الخطر الذي بات يهدد المنطقة والعالم ، علاوة علي أهمية الالتزام بالآليات الديمقراطية في مؤسسات الدولة، وحل المسائل الخلافية وفق الدستور، والعمل بسياسات الدولة بفرض القانون، وتجنب إشاعة التفرقة بين المواطنين على أساس الخلافات المذهبية، أو الدينية، أو القومية، أو السياسية.

    تدور التفاعلات السياسية الداخلية في العراق عن البحث علي حل توافقي ينهى الأزمة، ولعل من أهم قواعد هذا الحل هو إيجاد بديل لرئيس الوزراء يكون بديل توافقي يلقى القبول من المكونات السياسية الرئيسية الثلاث.

أما على المستوى الخارجي، تسارع الدول الإقليمية والدولية في اتخاذ العديد من الخطوات للحد من المخاطر والتحديات الناجمة عن الأزمة العراقية سواء في الوقت الراهن أو على المدي المنظور، لذلك بدء وزير الخارجية جون كيري جولة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا في الفترة من 22 إلى27 من الشهر الجاري بهدف بحث خيارات التعامل مع الأزمة العراقية، والسعي لحشد تأييد لتشكيل حكومة وطنية في العراق تحتوى الصراع الطائف المتفجر حالياً، حيث أكد وزير الخارجية الأميركي جون كيري، إن المالكي أكد بقوة في المحادثات التزامه بموعد الأول من يوليو لتشكيل حكومة جديدة، وأضاف أنه لا توجد دولة بما في ذلك أميركا لها الحق في انتقاء زعماء العراق، “وهذا يرجع لشعب العراق”.

جاء وصول كبرى إلى بغداد بعد ساعات من وصول أول مجموعة من المستشارين العسكريين الأمريكيين إلى بغداد من أصل 300 استشاري بهدف تحديد أماكن تمركز المسلحين وضربها بالطائرات بدون طيار، في حال أتخاذ الولايات المتحدة قرار التدخل لمساندة العراق في مواجهة داعش، وكذلك إقامة مراكز عمليات مشتركة في بغداد والمحافظات الشمالية لتبادل المعلومات وتنسيق خطط لمواجهة مسلحي داعش، كما بدأ الطيران الأمريكي في 20 من شهر يونيو إجراء طلعات استطلاعية في الأجواء العراقية، ويعد هذا الخيار هو المرجح حتى تلك اللحظة، حيث تؤكد جولة كيري الأخيرة أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحصول على أكبر قدر من التوافق الإقليمي والدولي، خاصة في ظل سيطرة داعش على عدد هام واستراتيجي من المعابر الحدودية مع سوريا والأردن كمعبر الطرابيل والقائم والوليد، وهو الأمر الذى يمثل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي خاصة بالنسبة للأردن واحتمالات انتقال المعارك والتهديدات إلي الأردن.

 ويأتي هذا الخيار الأمريكي في إطار الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة، والتي تنص على تحمل الأخيرة المسئولية عن توفير الحماية الكاملة للعراق من أي عدوان، كما أكد لقاء كل من وزير الخارجية السعودي الأمير الفيصل ونظيره الروسي سيرغى لافروف على إمكانية التلاقي حول عدد من النقاط لحلحة الأزمة العراقية ومن أهمها سلامة وأمن العراق ووحدته الوطنية وأهمية محاربة التنظيمات الإرهابية التي استغلت الأزمة السورية للانتشار والتهديد الإقليمي.

    مع تأكيد السعودية المستمر على أن سياسات المالكي الطائفية هي التي أسرعت في تدهور الأوضاع الأمنية، وان استمراره يمكن أن يدفع البلاد للحرب الأهلية في ظل تمسك الثوار من السنة بمطالبهم المشروعة وتقديم بعض أوجه المساندة لداعش من ناحية، ودعوة المرجع الشيعي الأعلى السيستاني للتطوع والكفاح المسلح ضد داعش، ولذلك فان الأطراف الخارجية تسعى إلى تفكيك الأزمة الراهنة إما بالضغط على المالكي للرحيل وترك السلطة في الوقت ذاته يتم تقديم الدعم الخارجي للعراق لمواجهة تنظيم داعش وغيره، أما بالوقوف ومساندة المالكي بصورة مطلقة كما تفعل إيران التي أكدت في أكثر من مناسبة استعدادها للتدخل في العراق اذا طلب الأخير ذلك، على الرغم من أن النفوذ الإيراني لا يحتاج إلى طلب عرافي للتدخل سواء كان هذا النفوذ مباشرا أو عبر وكلاء ( كمليشيات عصائب أهل الحق وغيرها من الميليشيات الشيعية ).

إن ما يشهده العراق من تطورات متلاحقة سوف تغير بشكل مباشر من خارطة القوى السياسية العراقية خاصة مع تزايد احتمال رحيل المالكي في المرحلة القادمة، بل وسوف تمتد أثارها إلى حدوث تغير في خارطة القوى الإقليمية في المنطقة، في ظل تقدم داعش وإمكانيات تحقيقه لخارطة دولته الإسلامية المفترضة، وفى ظل تعثر أفق الحل السياسي في العراق واستمرار الفرقاء على مواقفهم  وكذلك تأزم الموقف السوري وعدم وجود أي بوادر لحل القضية، كل هذه الأمور ستدفع دول المنطقة نحو التوحد لمواجهة داعش من ناحية، والضغط على الداخل العراقي لتوحيد الصف وتجنيب القضايا الخلافية على الأقل في المدى المنظور من ناحية أخرى من أجل الخروج من تلك المرحلة الفاصلة بأقل خسائر ممكنة

المصدر:
العربية

خبر عاجل