بماذا يختلف “الداعشي” الذي منع صدور جريدة “الديار” في العام 1989 ودمّر إذاعة “صوت لبنان” في العام 1990 في حربه الإلغائية، عن “الداعشي” الذي اقفل “mtv” واطلق الصواريخ على تلفزيون “المستقبل”، ثم احرق جريدة وتلفزيون “المستقبل”؟
بماذا يختلف “الداعشيان” أعلاه، عن الداعشي الذي حاول استهداف تلفزيون “الجديد” قبل فترةٍ وجيزة؟
بماذا يختلف “الداعشي” الذي اغتال رفيق الحريري وجبران تويني وبيار الجميلّ وووسام عيد ووسام الحسن ثم تلطّى خلف “الداعشي” ابو عدس، عن الداعشي الذي اغتال عناصر الجيش العراقي؟
بماذا يختلف “الداعشي” الذي خطف المطرانين والراهبات في سوريا، عن “الداعشي” الذي قتل الأخت ماري الزغبي في حصاره زحلة العام 1981، وخطف المطران الياس الزغبي في بعلبك العام 1982 والأب الياس غاريوس العام 2011، وحاول خطف مطران بعلبك سمعان عطالله أخيراً؟
بماذا يختلف “الداعشي” الذي قتل الجيش في نهر البارد، عن “الداعشي” الذي وضع الخطوط الحمراء حمايةً للداعشيين في هذا المخيّم؟ ألم يقل أمين عام “حزب الله” رداً على الدعوات لاقتحام المخيّم إن هذا المخيّم خط أحمر؟
بماذا يختلف “الداعشي” الذي يقتل وينفي ويُهدد ويُقصي معتدلي الطائفة السنّية، عن “الداعشي” الذي يقضي على رموز الإعتدال في كل الطوائف؟ وما الفرق بين “الداعشي” الذي يُكفّر الصحافي سلمان رشدي ويقتل الصحافي مصطفى جحا بسبب آرائهما النقدية، وبين “الداعشي” الذي يُكفّر كل من يُخالفه الرأي؟
وأخيراً وليس آخراً، بماذا يختلف “الداعشي” الذي كان يرمي الفتيات غير المحجبات في الضاحية وبعلبك بالأسيد، عن الداعشي الذي يتبّع الأسلوب ذاته في سوريا او في بغداد اليوم؟
من يراجع تاريخ الحركات التكفيرية يُدرك جيداً ان مؤسسي “حزب الله”، تتلمذوا على ايدي الحركات التكفيرية في العراق، قبل ان يستوحوا من هذه الحركات نموذج حزبهم الخاص.
مؤسسو الجمهورية الإسلامية في ايران لم يتنكّروا بدورهم لفضل “الحركات التكفيرية”. خطابات الإمام الخميني تزخر بآيات التمجيد “للصحوة الإسلامية” التي شهدتها الصومال والجزائر وافغانستان ومصر على يد الحركات التكفيرية المسلّحة!! حتى ان صعود هذه الحركات على امتداد العالمين العربي والإسلامي لم يكن ليحصل بالأساس لولا انتصار الثورة الإسلامية في ايران العام 1979 اولاً، ثم انتهاء الحرب العراقية الإيرانية العام 1988 وتفرّغ ايران لنشاطها “الجهادي” ودعمها للحركات الإسلامية حول العالم!
الداعشيون إذاً، على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ودياناتهم، ينهلون من منابع فكريةٍ شمولية واحدة.
من يريد انتقاد “داعش” واخواتها عليه اولاً ان يكون صادقاً في اقواله، لا ان تكون ارتكاباته رديفاً لـ”داعش”، ولا ان يكون انتقاده نابعاً من مصالح ذاتية انتخابية مذهبية ضيقة.
من يحق له انتقاد “داعش”، هو المعتدل لأي فئةٍ انتمى، وليس صاحب مشروع “الثورة الإسلامية في لبنان”!
من يحق له انتقاد “داعش” هو صاحب الكلمة الحرّة والموقف السياسي الديمقراطي والرأي الحر، وليس صاحب السلاح المذهبي ولا صاحب “العيون السحرية”، ورصاصات القنص والعبوات في المصاعد…
بهذا المعنى، فإن من يحق له انتقاد “داعش” حقيقةً هو من يتصدّى لموجات الإغتيال السياسي ومن يواجه السلاح غير الشرعي، ومن يكافح التطرف والأصولية والمشاريع المذهبية الإقليمية التي تتصادم مع مشروع “داعش” ظاهرياً، ولكنها تتقاطع معه في “الباطن”.
من يحق له انتقاد “داعش” هو من احتضن الإعتدال السنّي، وليس من همشّه واقصاه ونفاه واغتاله ويتمنّع حتى اللحظة عن المثول امام العدالة الدولية…
بعضهم في هذا الشرق يحاول التذاكي والتشاطر، هو يريد إقصاء 7 ملايين سنّي عن السلطة في العراق، و20 مليون سنّي في سوريا، وحوالى مليون سنّي في لبنان، ومن خلفهم مليار سنّي حول العالم، ولكن عندما يثور هؤلاء، ويتطرّفون، تُصبح ثورتهم “عملاً إرهابياً” ممقوتاً!!!
يحّق للمحور “العلوي – الشيعي” ان يتكتّل ويتنظّم في لبنان وسوريا والعراق وايران، ويُحامي عسكرياً عن بعضه البعض، خارقاً الحدود المعترف بها دولياً، مُسمّياً ذلك كله “مقاومة”، ولكن عندما يثور السنّة سنّياً بوجه هذا المحور، تكون هذه الثورة “إرهاباً” و”داعشية”.
ما الفارق بين انتحاري يعبر الحدود اللبنانية لقتل مدنيين في الضاحية، وبين “انتحاري” يعبر الحدود بالإتجاه المعاكس لقتل مدنيين في القصير والقلمون او الموصل والرمادي؟
تسهيل دخول التكفيريين الى العراق من قبل النظام السوري، لتدمير الكنائس والمساجد وتفجير الأسواق التجارية، يُصبح “مقاومةً للإحتلال الأميركي”، امّا إذا ثارت الشعوب العربية بوجه الظلم والديكتاتورية طلباً للحرية والكرامة، تكون ثورتها ثورةً “داعشيةً تخريبية” بامتياز!!
لم تكن “داعش” قد ابصرت النور بعد عندما كان النظام السوري يقصف المدن المسيحية ويُدمّر عشرات الكنائس، ويفرض حصاراً على المناطق المسيحية خلال الحرب التي أسماها عون تحريراً ثم قال إنها كانت “تنفيسة”، ويضطهد الناشطين المسيحيين، ويقتل القادة والرؤساء وقادة الرأي، ويُقصي المسيحيين عن السلطة، ويتلاعب بالديمغرافية اللبنانية عبر تجنيس آلاف السوريين!
ولم تكن داعش قد وُلدت بعد عندما كانت ايران تُنشئ اول تنظيم تكفيري في طرابلس العام 1983 دُعي بـ “حركة التوحيد” فرض اميره سعيد شعبان الجزية على مسيحيي الميناء وحرق العلم اللبناني.
لماذا يحق للأقليات الدينية والعرقية عدم الخضوع لحكّمٍ تكفيري، ولا يحق للأكثريّة السنيّة الإنتفاض على حكمٍ ديكتاتوري يُكفرّهم سياسياً ومذهبياً ويُقصيهم عن الحكم في العراق وسوريا ولبنان.
لماذا يحق لبعض الشيعة ان يؤسسوا دولةً مذهبيةً في ايران ودويلةً مذهبية في لبنان والعراق، ولماذا يحق لبعض العلويين ان يقبضوا على مقدرات الحكم في سوريا، ولا يحق للسنّة الإنتفاض على هذا الواقع؟
تزول “داعش” تلقائياً عندما تزول اسباب قيام “داعش”. حتى يخرج الشرق من دواّمة الإقصاء والإقصاء المقابل، والتكفير والتكفير المقابل، والفعل وردّة الفعل المتبادلة، لا بد ان يصل كل صاحب حقٍّ الى حقّه، فلا اكثرية تسلب اقليّةً حقوقها، ولا اقليّةً تحاول الثأر من التاريخ عبر إقصاء وتهميش أكثريةٍ او اقليةٍ أخرى… ولا جمهورية إسلامية شيعية تستولد إمارةً داعشية…