هناك مخاوف عديدة تنذر بتقسيم العراق وتفكيك دولته إلى دويلات شمالية وجنوبية ووسطى، نتيجة لفشل حكومة نوري المالكي وسياسة التمييز الطائفي وإقصاء فئات الشعب التي انتهجها بدعم من النفوذ الإيراني في العراق، هذا الكلام يتردد باستمرار وبات يعتبر اللازمة المكررة عند الحديث عن العراق، ولكن هناك توقعات أقوى بقرب انهيار النظام الإيراني برمته أولا وتقسيم إيران إلى مجموعة من الدويلات ستقودها الأقليات الإثنية التي تعاني من تظلمات شديدة، هذا ما قاله لي المحلل السياسي سعد محيو مدير تحرير مركز كارنيغي الشرق الأوسط للدراسات السياسية في حوار هاتفي أجريته معه قبل أيام معدودة حول الأزمة في العراق وتم نشر أجزاء منه في “عكاظ”.
ومن أبرز ما قاله المحلل السياسي سعد محيو، وهو من المحللين المميزين في قراءة سيكولوجية السياسة العربية والمستقبليات من خلال استشراف مستقبل الأوضاع، أن المشهد العام لما يحدث في العالم العربي، وتحديدا في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين من ثورات وحروب وعنف واضطرابات، ما هو إلا نتيجة لتآكل النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة بعد فتح جبهتين عسكرية في العراق وسوريا، والأخيرة باتت تستنزف إيران بتكلفة اقتربت من 25 مليارا سنويا دون أي بوادر على حسم المعركة لصالح نظام الأسد الموالي لها، وهو ما يشكل عبئا اقتصاديا إضافيا إلى سلسلة من النكسات الاقتصادية التي تمر بها إيران بسب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وتضررها من تقليص مبيعاتها للنفط بسبب مشروعها النووي، وكل ذلك يكاد ويوشك على التسبب في انهيار الاقتصاد الإيراني وبالتالي سقوط النظام في إيران برمته.
ويقول أيضا بأن إيران تؤدي أدوارا سياسية في المنطقة العربية أشبه بالأدوار التي تلعبها الدول العظمى ولكن بإمكانيات دول العالم الثالث والرابع، فهي تريد أن تصنع من هذا النفوذ موضعا جيواستراتيجيا مطلا على البحر المتوسط، ولكنها لم تعود مستفيدة من هذا النهج الخالي من العوائد النفعية تماما، فإيران لا تساهم في أي تنمية وليس لها عائد اقتصادي من محاولة بسط هذا النفوذ، الذي لم يعد له مبرر إلا أن إيران تريد أن تعيش برستيجا سياسيا يعيشها أجواء ماضيها إبان الإمبراطورية الفارسية.
ولكن إيران تغرق اليوم في الجبهة السورية التي باتت تشكل بالنسبة لها “فيتنام الإيرانية”، وسوف تغرق إيران أكثر لو أصرت على دعم حكومة نوري المالكي في العراق الذي بات منبوذا داخل العراق حتى من الطائفة الشيعية وخصوصا من جماعتي الصدر والحكيم، والمالكي الآن يتشبث فقط بالنفوذ الإيراني، وهذه الأيادي الإيرانية النافذة داخل العراق تتهرب من إبعاد المالكي باعتباره آخر معاقل نفوذها في المنطقة، لذلك باتت إيران أمام مواجهة حقيقية وفتح جبهة أخرى في العراق، وحينها لن يكون بمقدورها إدارة هذه الجبهة عسكريا وماديا.
وبالفعل لا أحد يعلم كيف تدير إيران هذه المعارك ومحاولات بسط النفوذ في الخارج وهي مخلخلة من الداخل، فمعدل التضخم عال ويتجاوز نسبة 30% وذلك بحسب تقارير صادرة عن البنك المركزي الإيراني تم نشرها في عدد من الصحف الإيرانية أبرزها صحيفة “سرماية”، فيما يعاني الاقتصاد الإيراني من حالة انكماش، وهذا عدا التقارير التي أشارت إلى أن أكثر من ثلث الشعب الإيراني يقبعون تحت خط الفقر، وهذا بالإضافة إلى العقوبات الاقتصادية الدولية المنهكة التي باتت تفرض عليها شهريا، فإيران بالكاد تصل صادرتها النفطية خلال هذا العام إلى معدل 700 ألف برميل في اليوم، وبالتالي يحدث لديها نقص في توفر السلع الأساسية وتنامي نسب البطالة بسبب توقف العديد من المصانع.
ولذلك بات من الواضح أن هذه السياسة الإيرانية لن تدوم طويلا، والنفوذ الإيراني في المنطقة العربية يحتضر، وعدم تراجع إيران عن هذه السياسات سيفضي حتما إلى تهاوي إيران من الداخل على جميع الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وستكون من أوائل الدول المعرضة إلى التقسيم، خاصة مع الطفرات الإثنية في المنطقة، فإن إيران الداخل بها أقليات تعاني من تظلمات تاريخية شديدة، وأبرزها الأذريون ذو الأصول الأذربيجانية التركية والذين يشكلون 30%، ولديهم تظلمات قوية ضد النظام الإيراني بسبب دعمه التاريخي لأرمينيا في حربها ضد أذربيجان حول السيادة على إقليم ناكورني كاراباخ، وحيث تاريخيا قام الشعب التركي الأذري في 1945 تشكيل حكومة تمتعت بحكم ذاتي بقيادة جعفر بيشهوري لكنه سرعان ما اصطدم حينها بالجيش الشاهنشاهي الذي قضى على حكومة بيشهوري في غضون عام من إقامتها، وقتل وأعدم الألوف من أبناء هذه الطائفة، ومنذ ذلك الحين ظل حراك هذه الطائفة التي تشكل أكثر من ثلث الشعب قائما منذ حينه، ويليها العرب والأكراد، وجميعهم تعرضوا إلى القمع والاضطهاد منذ قيام الثورة عام 1979.
وكل هذا جزء من نقاش دار بيني وبين الأستاذ سعد محيو الذي أرى أن في طيات ما طرح استشراف واقعي لمستقبل المنطقة، وإيران خصوصا.