#adsense

عندما تتحول السياسة الى “بروباغندا” رخيصة!

حجم الخط

عندما تفقد السياسة معناها وتصبح مجرد “بروباغندا” شعبوية رخيصة، كما هي حال لبنان الآن، لا يكون غريباً أن يبقى البلد من دون رئيس جمهورية لشهر أو ربما لشهور عدة، ولا أن يتحول الى بؤرة للإرهاب يستدعيه بقرار واعٍ من دول الجوار ومن غيرها، ولا أن تزداد أزماته الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً، ولا حتى أن يخرج بعد ذلك كله من يقول إنه لا داعي للانتقاد أو للخوف لأن الوضع في السابق لم يكن أفضل مما هو عليه حالياً.

ذلك أن السياسة هي فن تنظيم الدولة والمجتمع الذي تتولى رعاية شؤونه، بغض النظر عن ماهية هذه الدولة ومكونات المجتمع عرقياً أو قبلياً أو طائفياً. وإذا كانت إحدى مهام السياسة بناء علاقة مباشرة ومتبادلة بين من يكلف نفسه، أو يكلفه هذا المجتمع، بصناعتها وبين الأطراف التي يتكون منها، فلا حاجة الى القول إن قاعدة هذه العلاقة يُفترض أن تكون صدق العمل والهدف المبتغى وليس أي شيء آخر.

وليس خافياً أن في ما سبق، وتحديداً في ما تلى، شغور موقع الرئاسة في الخامس والعشرين من شهر أيار الماضي، القليل إن لم يكن النادر مما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين صانعي السياسة في هذا البلد وفئات مجتمعه التعددية. فيها فقط ما يمكن وصفه بالبروباغاندا الشعبوية الرخيصة التي لا هم لها سوى مخاطبة عصبيات طائفية ومذهبية ضيقة، بل وحتى افتعالها وصناعتها إن لم تكن موجودة، فضلاً عن تضخيم مخاطرها الآنية والمستقبلية وادعاء الحرص على تفاديها.

في هذا السياق، وبالرغم من وضوح النص الدستوري على تولي مجلس الوزراء مجتمعاً مهام رئيس الجمهورية، استمع اللبنانيون الى ما لا حصر له من “التحفظات” على آلية عمل المجلس في غياب الرئيس، إن لجهة “الاطلاع” على جدول أعمال جلسات المجلس الذي يضعه رئيسه حصراً، أو لجهة “التوقيع” على قراراته والقوانين التي يصدرها مجلس النواب إيذاناً بنشرها ووضعها قيد التنفيذ، أو حتى لجهة إمكان الاعتراض عليها (وممن؟!) وإعادتها للدرس مجدداً قبل انتهاء المهلة التي ينص عليها الدستور.

وفيه أيضاً، قيل الكثير عما وصف بأنها “سوابق” لا يريد لها “السياسيون” الجدد هؤلاء أن تتحول الى “أعراف” يصبح معها موقع رئاسة الجمهورية من النوع الذي يمكن التعود على شغوره، مع أن مرددي هذا الكلام هم أنفسهم من يتحملون مسؤولية الشغور الرئاسي قبل غيرهم… وحتى من دون غيرهم.

قيل مثلاً، ولأسباب غير مفهومة ولا حتى مبررة لأن قرارات مجلس الوزراء تتخذ غالباً بالتوافق، إنه ما دام المجلس مجتمعاً يتولى مهام رئيس الجمهورية، فلا بد للوزراء كلهم أن يمهروا قراراته وكذلك القوانين التي يصدرها مجلس النواب بتواقيعهم قبل إحالتها على النشر في الجريدة الرسمية. كما قيل، بالرغم من إعلان رئيس مجلس الوزراء تمام سلام تجاوز المجلس في هذه المرحلة بحث أي قضايا خلافية، إن غياب توقيع وزير ما على قرار ما من شأنه أن يعني غياب المكون الطائفي أو المذهبي الذي يمثله الوزير في المجلس، وبالتالي خروج القرار عن “ميثاق العيش المشترك” الذي تنص الفقرة “ي” من مقدمة الدستور على لا شرعية أي قرار يتعارض معه.

وقبل ذلك، قيل الكثير عن جدول الأعمال وكيفية “اطلاع” الرئيس (الذي هو مجلس الوزراء مجتمعاً الآن) عليه، كما قيل وكتب الكثير عن “الموقع المسيحي الأول في الدولة” والحاجة الى عدم التعود على غيابه، بينما يعرف الجميع أسباب الشغور من ناحية، والنص الدستوري في حال حدوثه من ناحية ثانية، وإصرار رئيس مجلس الوزراء على الابتعاد عن بحث أو طرح القضايا الخلافية من ناحية ثالثة.

إنها السياسة عندما تفقد معناها، بل عندما تعلن عن موتها، وتتحول الى مجرد بروباغندا رخيصة لا هم لها سوى محاولة كسب شعبوية تافهة ولو على حساب عصبيات وكيديات حقيقية أو مفتعلة، بينما البلد والمنطقة كلها يمران في فترة بالغة الدقة والحساسية من تاريخهما.

ولا تختلف حال السياسة هذه عما هي عليه بالنسبة الى العمليات الإجرامية والتفجيرات الإرهابية التي تضرب لبنان منذ شهور وقد تصاعدت في الفترة الأخيرة. إذ لا تجد هذه السياسة ما تقوله إلا أن “داعش” وأخواتها كانت ستوجد في كل بيت لبناني، وكانت ستضرب بعنف أكبر، فيما لو لم يكن “حزب الله” قد تدخل بعناصره وأسلحته منذ عامين في الحرب السورية… وربما غداً في الحرب العراقية.

مرة أخرى هي السياسة الشعبوية، أو مخاطبة البيئة الحاضنة كما يسميها الحزب، من دون اهتمام بحاضر البلد ومستقبله، أو حتى مراعاة للحقيقة التي لا مراء فيها والتي تؤكد بما لا شك فيه أن ما يعيشه لبنان حالياً ليس سوى أحد إفرازات تدخل الحزب في سوريا ودفاعه عن نظامها ضد وعلى حساب شعب يرفضه ويطالب برحيله منذ عقود وليس سنوات فقط.

مشكلة لبنان الكبرى في هذه الفترة من تاريخه، ليست غياب السياسة أو حتى موتها فقط، إنما هي تزويرها وإعطاؤها أوصافاً ومعاني تتناقض جذرياً وعلى طول الخط مع مفهومها الحقيقي.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل