
والبارز في هذا السياق ما علمته “النهار” من ان مصادر الصرح البطريركي في بكركي ترى أن أي أصلاح دستوري قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية مرفوض وأن كل شيء وارد بعد انتخاب الرئيس. وأكدت أن لا أولوية اليوم تتقدم أولوية ملف الرئاسة الاولى. ومن المتوقع ان يصدر موقف عن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في المناسبة الأولى ولن يكون ذلك في اطار رد مباشر على ما صدر عن العماد عون. وأعادت المصادر التذكير بالموقف الاخير للبطريرك الراعي الذي تضمن رفضا لأي دور أشتراعي لمجلس النواب قبل انتخاب رئيس للجمهورية. كما اعتبرت مصادر حكومية رفيعة المستوى ان طروحات العماد عون امس من شأنها أن تؤخر انجاز الاستحقاق الرئاسي.
رصاصة رحمة على العلاقة “المستقبل”
ويبدو أن مسلسل الأسئلة لن يتوقف، كما تقول المصادر، عند هذه الحدود وإنما سيشمل مدى استعداد الشريك المسلم في المعادلة السياسية للموافقة على أن يكون انتقاء المرشحين من الدورة الأولى الى التصفية النهائية من نصيب المسيحيين وأن يقال للمسلمين هذان هما مرشحانا ونطلب منكم أن تنتخبوا أحدهما للرئاسة؟ ثم إن التعديل الدستوري الذي يقترحه عون سيفتح الباب أمام تهديد الميثاقية باعتبارها الناظم الوحيد للعلاقة بين اللبنانيين، خصوصاً أن هناك ناخباً من الدرجة الأولى والآخر من الدرجة الثانية، إضافة الى أنه يقذف بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين في البرلمان الى المجهول وهي جزء لا يتجزأ من الصيغة الرضائية التي أقرها الطائف وتم بموجبها تثبيت الرئاسة الأولى للموارنة. وتعتبر هذه المصادر أن عون، بمبادرته، أطلق رصاصة الرحمة على حواره مع زعيم تيار «المستقبل» رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي كان سبق له وعارض اعتماد المشروع الأرثوذكسي (ينص على أن تنتخب كل طائفة نوابها الى البرلمان كأساس لإجراء الانتخابات النيابية) وبالتالي لن يوافق في مطلق الأحوال على هذا المشروع الذي أعاد عون طرحه بعد شموله انتخابات الرئاسة. وتؤكد أن الحريري كان أكد لعون أنه لا يضع فيتو على أي مرشح للرئاسة ونصحه بضرورة الانفتاح على مسيحيي «14 آذار» ورئيس «جبهة النضال الوطني» وليد جنبلاط، وبدلاً من أن يتجاوب مع نصيحته قرر الذهاب بعيداً في مبادرة يجمع معظم الذين عارضوها أو يستعدون لمعارضتها، على أنها محاولة للهروب الى الأمام وتنم عن رغبته في قلب الطاولة في وجه الجميع ظناً منه أنه يستعيد شعبيته في الشارع المسيحي بعد أن ضاق الأفق أمامه في الوصول الى الرئاسة.
وتسأل: «هل من يريد استمرار الحوار مع «المستقبل» يلجأ الى استحضار أطروحات مثل المشروع الأرثوذكسي، كانت من الأسباب التي أدت الى تعميق الاختلاف بين المكونات السياسية الرئيسة في البلد أم أنه يبحث عن «ضحية» لتحميلها مسؤولية إخفاقه في تسويق نفسه للرئاسة في ضوء رفض «المستقبل» الانجرار للضغوط التي مورست عليه من الصديق والخصم في الوقت نفسه وتطلب منه أن يقول «لا» كبيرة لترشح عون؟». كما أن البطريركية المارونية والقيادات المسيحية لا تستطيع الوقوف على الحياد حيال مبادرة عون لأنها، بحسب المصادر، تهدد صيغة العيش المشترك وتفتح الباب في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة أمام العودة الى ما قبل الطائف الذي يجمع عليه معظم الأطراف بصرف النظر عن ما لديهم من ملاحظات تتعلق بعدم استكمال تطبيقه والاستنكاف عن تصحيح الشوائب التي رافقت تطبيق البعض منه. وتعزو المصادر السبب الى أن عون يطلب من القوى السياسية التخلي عن «الطائف» في مقابل وعود وردية غير قابلة للتطبيق وتدفع بالبلد الى مزيد من الفراغ في السلطات الدستورية. لكن المصادر تسأل أيضاً عن موقف حركة «أمل» و «حزب الله» من مبادرة عون وهل يقبل رئيس البرلمان بتقويض دور النواب في انتخاب الرئيس باعتبار أن مبادرته تنص على تحويل النظام من برلماني الى رئاسي هجين؟
وتؤكد أن بري لن يقف على الحياد وسيكون له الرد المناسب في القريب العاجل، بينما يفضل «حزب الله»، وحتى إشعار آخر، عدم الدخول كطرف في السجال حول مبادرة عون لأنه لا يريد إزعاجه ويصر على مراعاته بوصفه الحليف الأول له في السراء والضراء، حتى لو أنه لا يؤيدها كونها تطيح الرقم الشيعي الصعب في المعادلة وإن كان هناك من ينظر الى هذه المبادرة على أنها الوجه الآخر للدعوات التي أطلقت في الماضي لإعادة النظر في النظام السياسي من خلال تشكيل هيئة سياسية يوكل إليها وضع تصور أولي للنظام البديل من الطائف. وبكلام آخر، لن يبادر «حزب الله»، كما تقول المصادر، الى التفريط بعلاقته بعون وهو يترك رفض مبادرته للآخرين، لا سيما أنه واثق بأن مبادرة كهذه غير قابلة للتسويق وربما أراد منها صاحبها أن تكون بمثابة تعويض سياسي غير قابل للصرف حتى إشعار آخر عن إحساسه بأن رهانه في الوصول الى الرئاسة أخذ يتضاءل تدريجاً.
معركة بكركي انتخاب رئيس… فقط
وفي حين لم يصدر عن بكركي أيّ تعليق مباشر أو غير مباشر على طرح عون، أكّد مصدر كنَسي لـ»الجمهورية» أنّ «معركة بكركي الآن هي انتخاب رئيس جمهورية جديد فقط لا غير، وأنّها لن تدخل في تفاصيل أو اقتراحات تُلهي عن الإستحقاق الرئاسي، لأنّها تعمل على قاعدة أنّ كلّ شيء مؤجّل حتى انتخاب رئيس». وكان البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أكّد أنّ «لبنان بحاجة إلى ذهنيّات وقيادات جديدة»، لافتاً الى أنّ «الكيان هو الدولة اللبنانيّة، بدءاً بالرأس، أي برئيس الجمهوريّة». وأسفَ لأن يكون المجلس النيابي «غير قادر أن يفهم بأنّ الدّولة اللبنانيّة لا يمكن أن تكون قادرة على العيش من دون رأس». وعلمَت «الجمهورية» أنّ الراعي أطلعَ الفاتيكان على رغبةٍ لديه في القيام بجولة على عواصم الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الامن، للبحث معها في مساعدة لبنان على إجراء انتخاب رئيس جمهورية انطلاقاً من الخوف من أن تطيح الأحداث الجارية في المنطقة برئاسة الجمهورية التي هي رئاسة مسيحية في المشرق، في ظلّ ما يتعرض له المسيحيّون. وكذلك يعمل الراعي على عقد مؤتمر مسيحيّ عام أوسع من الأقطاب المسيحيين الأربعة، يصدر عنه موقف جامع يدعو إلى انتخاب رئيس جمهورية في أقرب وقت ممكن.
وأكّد وزير العمل سجعان قزّي لـ»الجمهورية»، وقد زار رئيس الحكومة تمّام سلام عصر أمس، أنّه «لا يجوز البحث في أيّ تعديل للدستور قبل انتخاب رئيس جمهورية جديد، وكلّ محاولة للالتفاف على انتخابات رئاسة الجمهورية بفتح ملفّات أخرى تضع لبنان أمام المجهول، ونحن في حزب الكتائب كنّا أوّل مَن نادى بضرورة تصويب اتّفاق الطائف وسَدّ الثغرات الدستورية وإصلاح النظام، ولكن لا شيء من هذه الطروحات الضرورية لتحديث الدولة يمكن أن يحصل من دون وجود رئيس للجمهورية، فالرئيس أوّلاً ثم الباقي. بدوره، قال النائب مروان حمادة لـ»الجمهورية»: «يحتار المرء كيف يتعاطى مع مبادرات العماد عون التي تتنقّل من «الأرثوذكسي» إلى «الأسدي»، ومن البرلماني إلى الرئاسي، ومن الديموقراطي الى الديكتاتوري، والمطلوب واحد: كرسيّ الرئاسة أيّاً كان الثمن، ولو على حساب الميثاق والوفاق والدستور والواقع».
“ليكف عون عن اللعب”
أضاف: «في هذه الأيام التي تختلط فيها النظم القمعية مع الدعوات التكفيرية، نطالب العماد عون بأن يكفّ عن اللعب بمصالح اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصا». وفيما علمت «الجمهورية» أنّ «حزب الله» لن يتّخذ موقفاً من مبادرة عون قبل درسها، قالت مصادر في قوى 8 آذار لـ«الجمهورية» إنّ انتخاب الرئيس من الشعب يتطلب تعديلاً في النظام اللبناني ليصبح نظاماً رئاسياً بدل ان يكون برلمانيا، ويصبح الرئيس يملك تفويضاً شعبيا، وتكون سلطته أكبر وأوسع من سلطة مجلس النواب، ما يعزّز مكانتَه وتُعادُ له بذلك صلاحيات كثيرة خسرَها في اتفاق الطائف. ويمكن أن يكون طرح العماد عون قد جاء من هذا منطلق، أي لرَدّ الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية.
وأبلغ قطب ماروني «اللواء» أن مبادرة عون مرفوضة ولا تعدو كونها مناورة لإشغال اللبنانيين بملف عقيم طرح أكثر من مرّة، وتم رفضه من القيادات المسيحية، وكأن المطلوب هو ملء الفراغ الرئاسي بمناورات سخيفة من هذا النوع. اما اسلامياً، فعدا عن وصف الرئيس نجيب ميقاتي طرح عون بأنه «انقلاب فعلي على الدستور»، شدّد عضو كتلة «المستقبل» النائب عمار حوري لـ «اللواء» بأن الاقتراح يضرب اتفاق الطائف والدستور، ويعيدنا إلى العددية التي اوقفناها في الطائف، ويحوّل النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، لافتاً النظر الى اننا حالياً في دور انعقاد استثنائي، ولا يجوز تعديل الدستور الا في دورة انعقاد عادية تبدأ في أوّل ثلاثاء يلي 15 تشرين الاول المقبل، وبالتالي لا امكانية دستورية للسير به.
في سياق متصل، تسأل مصادر مسيحية في قوى «14 آذار»، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «كيف يمكن أن ننتخب رئيساً من الشعب والصوت الشيعي أسير السلاح»، في إشارة إلى سلاح حزب الله، مضيفة: «لو أيد (رئيس الحكومة الأسبق) رئيس تيار المستقبل سعد الحريري وصول عون إلى الرئاسة هل كان ليبادر إلى تغيير اتفاق الطائف وطرح ما يخالف الميثاقية والوحدة الوطنية».
