كان الفيلسوف اللبناني العظيم المرحوم الأب ميشال الحايك يقيم في باريس حوالى العام 1988 وكان يأتي كل ليلة ليشارك مساءً بالذبيحة الإلهية مع المونسيور بطرس حرفوش على مذبح كنيسة سيدة لبنان، حيث كنّا كطلاّب نقيم في البيت اللبناني الفرنسي التابع والملاصق لها.
وصل الأب حايك مرة قبل القداس بقليل فالتقيته في باحة البيت وسألته بعد إلقاء التحية عليه، تحية الاحترام والتقدير لذلك الشخص الوقور “يا أبتي هل تذكر عنوان ومطلع آخر عظة ألقيتها حضرتك في كنيسة مار جرجس البلد قبل أول جولة من الحرب اللبنانية في العام 1975” نظر إلى السقف محاولاً التذكر وقبل أن يحصل ذلك، إستعجلت وقلت له: “يا أبتي كان عمري 15 سنة وكنا نسمع عظاتك المشهورة عبر الترانزيستور، وقد بدأت يومها تلك العظة بالقول:
“قفا نبكي معاً، لماذا علينا نحن في هذا الشرق أن نقف دائمًا ونبكي؟!”.
يومها سأل الكاهن اللبناني هذا السؤال ولم تكن الحرب اللبنانية قد بدأت يومها، ولم تكن بعد كل الدول المحيطة قد تدخلت فيها بشكل أو بآخر، ولكن كان الشرق الأوسط على فوهة بركان.
بعد حوالى أربعين عاماً، أعود وأسأل نفسي هذه المرة السؤال الذي طرحه المونسنيور حايك:
“لماذا علينا نحن في هذا الشرق أن نقف دائمًا ونبكي؟!”.
أوليس الشرق الأوسط مهد الديانات السماوية الثلاث، وقد أنعم الله بها علينا من عليائه.
أوليس الشرق الأوسط مليء في باطن أرضه بخيرات مدّنا الله بها لنمدّ بها الإنسانية جمعاء من طاقة ونفط إلى جانب كنوز أخرى لا تزال مدفونة في باطن الأرض.
أمام تلك العطاءات السماوية والأرضية التي أعطانا الله إياها نسأل:
لماذا لا يزال الإنسان يبكي في هذا الشرق حيث يفتقر إلى أقل متطلبات الحياة من ضمانات قد تريحه نفسيًّا وتخرجه مما هو فيه، من عِقد تلازِمه وتنغِّص عيشته؟!
لماذا لا يزال الشرق الأوسط موطئ الحركات الأصولية التي لا تشكل خطراً على الديانات الأخرى بقدر ما تشكل خطرًا على نفسها قبل الآخرين؟
لماذا لا نزال نجد في الشرق الأوسط إنساناً يذبح أخيه الإنسان كشاة سيقت إلى الذبح أكان من ديانته أو من ديانة أخرى؟
لماذا لا نزال نجد في الشرق الأوسط أنظمة تقتل مواطنيها بسلاح أفرغ جيوبهم وأفقرهم بحجة شرائه لمقاتلة أعداء الأمة فيه، هؤلاء الأعداء الذين يتبعون مثلنا ديانة سماوية؟!
لماذا لا نزال نرى في الشرق الأوسط بعد وجفاء بين ديانات كلّها سماوية في ما هذه الديانات تعيش بوئام وتحت سقف بلد واحد في الغرب الذي لم يكن يومًا مهدًا لها كالشرق؟!
سؤال واحد نطرحه على الله عزّ جلاله، هل جعلت من الشرق الأوسط، مهد الديانات السماوية الثلاث، لأنك كنت تعلم أن أهل هذه الأرض هم أكثر من كل الشعوب حاجة ماسة إلى دينٍ وإيمان وورع وتقوى، أنت الذي كل شيء معلوم لديك، فلا حاضر ولا مسقبل ولا ماضٍ، وكنت تعلم أنّنا سنبقى في قتالٍ مستمرّ حتى مع بدء الألفية الثالثة، فيما شعوب الأرض قاطبة تعيش بسلام؟!
رحماك ربي رحماك، أو لم تكن تعلم أن هذه الشعوب ستقتل بعضها بعضًا بإسمك وبإسم الدين، فيما لا أنت ولا الديانات السماوية الثلاث دعت إلى القتل والذبح والتشريد والحرق والتنكيل والتعذيب والسجن والقهر والجوع والاغتصاب والترحيل والتهجير.
رئيس الجهاز القانوني في حزب القوات اللبنانية
المحامي الدكتور سليمان لبوس