خلص… طفح الكيل. لقد تجاوز رئيس “التيار الوطني الحر” الخط الأحمر في التلاعب بمصير الوطن. لكن المشكلة لم تعد بين قوى “14 آذار” من جهة وقوى “8 آذار” من جهة أخرى، بل بين الشعب اللبناني من جهة والمعطّلين الذين يتزعّمهم عون و”حزب الله” من جهة أخرى. هم يتمادون في التعطيل وفي ابتكار الهرطاقات الدستورية والسياسيّة لتضليل الشعب وجعله يكفر بكل الحياة السياسيّة، حتى لا يعود قادراً على التمييز بين الصالح والطالح.
منذ تحديد أول جلسة لانتخاب رئيس للجمهورية وهم يختلقون الأعذار الواهية والمبررات الوهميّة ضاربين بعرض الحائط المنطق السليم والمبادئ الدستوريّة والأسس الديمقراطية: ساعة نسمعهم يبررون تعطيلهم للانتخابات الرئاسيّة باعتراضهم على مرشّح تحدي لفريق “14 آذار”، ساعة يعتبرونه مرشّحاً غير جديّ، رغم ان الدكتور سمير جعجع كان المرشّح الجدي الوحيد من خلال اعلانه عن برنامجه الانتخابي الواضح، محترماً الشعب اللبناني، مُحتكماً لكل ما تطلبه اللعبة الديمقراطيّة في اطار دستوري مؤسساتي واضح، معلناً أكثر من مرة قبوله بالنتيجة، خاسراً أو رابحاً! بل ذهب أبعد من ذلك، عندما أبدى استعداده على سحب ترشيحه مقابل التفاوض مع الطرف الآخر على أسماء أخرى.
في حين بدا النائب عون بعيداً من الجديّة بل مثيراً للضحك عبر ادعائه بأنه مرشح وفاقي علماً ان في رقبته ماضٍ “عريق” وليس ببعيد، من مجازر “التحدي” التي كادت أن تشعل حروباً أهليّة: الابراء المستحيل، One way ticket، جنبلاط رئيس جمعية الانعزاليين…
ساعة أخرى، يطلع عون بمبادرات لا تتلاءم مع الظرف والواقع الذي نعيشه، غايتها التحايل على الدستور والهروب إلى الأمام، كالدعوة إلى الانتخابات النيابية قبل الانتخابات الرئاسيّة، رغم معرفته ان الأفرقاء السياسيين غير متّفقين على قانون انتخابي واحد، وليس من الطبيعي اجراء هذه الانتخابات في ظلّ شغور موقع الرئاسة!
ساعة أخرى، وبشعبويّة مفرطة تدغدغ مشاعر المسيحيين، يُخرج “الساحر” عون من قبعته “أرنب” يكاد يطيح بالنظام اللبناني كطرح انتخاب رئيس مباشرة من الشعب أو التحوّل إلى نظام رئاسي في ظلّ أوضاع اقليميّة متوترة بل مشتعلة، لا تسمح بمثل هذه الانقلابات والتغييرات الدراماتيكيّة.
أمام هول ما يرتكبه “الجنرال” بحق الوطن، بدأ كثر من اللبنانيين يفكّرون لماذا لا نطبّق الحلّ الأسهل والأبسط اي الاحتكام إلى الدستور كما تفعل الكتل النيابية التابعة لقوى “14 آذار” و”جبهة النضال الوطني”، فينزل جميع النواب إلى المجلس النيابي ويخضع الجميع للعبة الديموقراطيّة، ويتمّ انتخاب المرشّح الذي يحظى بالإجماع فتعود الحياة إلى العجلة الدستورية وتستقيم الحياة السياسيّة؟
في المنطق العلمي والسياسي لا تحتاج مواقف العماد عون إلى شرح، انما تعبّر عن نفسها وعن طبيعة صاحبها الذي يدافع حتماً عن طروحاته المتناقضة أو الشخصانيّة ويجد دائماً مبرراً لها، لكن بعيداً عن التبعيّة على الطريقة اللبنانية الفولكلورية، وبعيداً عن الشعبويّة الانفعاليّة، تُرى كيف يستوعب عاقل تلك التقلّبات الحادة أو المزاجيّة الشخصانيّة؟ ألا تثير تساؤلات وتطرح استفهامات حول صدقيّة الطروحات السياسية للزعيم الذي يتبعه؟ لذلك، آن الآوان للبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً أن يستيقظوا، وأن يعوا الواقع والحقيقة.
آن الآوان للاستفاقة من الغيبوبة الهذيانيّة، لا انتقاماً ولا تغليباً لأيّ حزب على آخر، بل الهدف تعميم ما يُعرف بثقافة المحاسبة.
آن الآوان للثورة، لكن معاذ الله أن تكون دعوتنا تهدف إلى ثورة مسلّحة أو الاخلال بالأمن، بل دعوة الشعب للثورة على نفسه من خلال وعي حضوره وتاريخه والتمييز بين الصالح والطالح، إذ لا يجوز لشعب تحدّر من 6000 سنة حضارة أن يستسلم لمن يحاول الضحك عليه وتضليله.
أمل أن يكون شعبنا، كل شعبنا، جاهزاً عند أوّل استحقاق انتخابي نيابي، للمحاسبة الحقيقية، لإقصاء من عطّل الحياة السياسية والاستحقاقات الدستوريّة ولوقف مسيرة الانحدار الدراماتيكيّة التي يشهدها وطن الأرز واللبن والبخور.
