
هم لبنانيون وعرب وأعاجم أميركيون، لكنهم، في آن واحد، ليسوا لبنانيين ولا أميركيين، ربما هم نباتات مهجّنة، نقلت بذورها وزرعت في أرض الأونكل سام، فباتت أميركية بالعدوى.
يعيش هؤلاء، اللبنانيون والعرب وغيرهم، في مختلف انحاء القارة الجديدة، ومنها كاليفورنيا – وكورونا الكاليفورنية – أميركيين في النهار ولبنانيين وعرباً عندما يأتي المساء، لكنهم يشبهون مضيفيهم الأميركيين حتى التطابق في الكثير من الأمور ولا يشبهونهم في احوال اخرى.
طيور اميركا هؤلاء كطيورها تماما، بينهم البلبل المغرّد بالانكليزية والشحرور المتعثر والمتلعثم بها، والدوري الذي بلغت به جرأته حد الوقاحة وانتزاع اللقمة من منافسه، لكنهم جميعا يعيشون الحرية والامان واللقمة الميسورة.
طيور أميركا لا تهاجر، مواطنة او متوطنة، ولكنها لا تعتدي على اترابها المهاجرة، ففي الارض الجديدة ما يكفي الجميع من الرزق والامن والعمل والاستقرار.
صديقي سام اصر على استضافتي وزوجتي في منزله الزوجي مع زوجته وابنتيه، وهو يفاخر بكونه اميركيا اكثر من الاميركيين الاصليين، ولا ينزل علم الولايات المتحدة عن منزله في كورونا.
ورغم انه ما زال بعد بضعة عقود يحتفظ بحس الضيافة وحسنها، الا انني ما استطعت ان اعيش لبنانيا اميركيا مثله، وان لعشرين يوما فقط. سام نموذج للنجاح اللبناني في الاغتراب، لا يمكنك تمييزه عن الاميركي ابا عن جد، لا اعرف ماذا كان اسمه قبل ان تطأ قدماه ارض كاليفورنيا، ربما كان صموئيل، الا انه نموذج اللبناني الشاطر، المحنك، المتأمرك، الذي “يأخذها من فم السبع”.
وكاليفورنيا تشبهنا بعض الشيء ولا تشبهنا في معظم الاشياء. تشبهنا، فقط هذا العام، بمناخها، اذ لم تنعم الطبيعة عليها بموسم شتاء وفير كما كان يحصل في الاعوام السابقة، فظلت مجاري انهارها جافة، ولكن نظيفة، لان الكاليفورنيين الاميركيين ومنهم اللبنانيون هنا، لم يستخدموها لرمي النفايات وجثث الحيوانات النافقة، كما نفعل نحن في لبنان. اما شوارعها واوتوستراداتها فتثير فيك الشعور بالخجل اذ تذكرك بما يجري عندنا وبصورة شوارعنا ومدننا من فوضى وتخلف ومخالفات…
منازل كاليفورنيا مبنية بكثير من الخشب وقليل من الحجر تحسبا للهزات التي تضربها ما بين الحين والآخر، وكلها اقيمت وفق طراز هندسي واحد، حتى لتكاد ان تخطئ ما بين باب منزلك ومنزل جارك، اذا لم تلفتك نبتة لبنانية غريبة عن محيطها. حتى الأشجار هناك لا تشبه اشجارنا، لكن من يقطع شجرة يُقطع رزقه وتكاد تقطع عنقه. تماما كمن يصطاد عصفورا أو ارنبا في اي شكل او وسيلة. وحتى الاميركيون اللبنانيون والعرب هنا لا يشبهون اللبنانيين والعرب المقيمين في ديارهم: لا فرقة ولا تباعد ولا تنافر في السياسة او الدين، ولكل رأيه وحقه في انتماءاته السياسية والعقائدية والدينية. رغم انهم لا يجدون الوقت للكلام في هذه الامور. يذهلك هؤلاء بإصرارهم على الاندفاع والاخلاص في العمل والرضا والقناعة في تحصيل الثروات، عكس الاميركيين الذين يشكون الركود الاقتصادي. الدولة هنا لخدمة المواطن الذي هو دائما على حق، وهو قادر على اخافة الدولة لا الخوف منها، وهو امر محزن للبنانيين ومخجل لدولتهم.
واما اذا ابتعت سلعة من السوبرماركت واكتشفت بعد ايام، او اسابيع، انها لا تلائمك، فملزم البائع باستردادها واعادة ثمنها اليك، حتى لو كانت السلعة فروجا مشويا اكلت احدى فخذيه! وخصوصا اذا عرفت ان ثمنها في مكان آخر ادنى من الثمن الذي اشتريتها به.
شوارع كاليفورنيا للسيارات، لكن الافضلية دائما للمشاة الذين لهم اماكنهم الخاصة لممارسة رياضة المشي، واذا رغبت في الانضمام اليهم فستشعر وكأنك تعرفهم جميعا وافرادا، اذ لا يمر بك احدهم من دون القاء التحية عليك مع ابتسامة عريضة.
ارضهم تتسع للجميع، اعراقا والوانا وعربا ويهودا ومن باقي الامم، لا شرط على احد سوى ان يقبل العيش مع الجميع مسالما.
اجواؤهم يحرسها النسر السلطان ولا مجال لأن ينازعه على سلطته احد. لا البلبل الذي يحاول اغتصاب لقمة العصفور الضعيف، ولا الشحرور الذي يحاول الاعتداء على من هو اضعف منه، ولا الغراب الطامع في اعشاش الطيور، ولا البازي الراغب في مقارعة النسر الملك.
محزن المشهد اللبناني السائبة اجواؤه للشحارير المحلية والغربان الاقليمية، لان ليس له نسر ملك، لا رئيس مالك السلطة على الارض وفي السماء، بل ثمة من يسألك هل للبنان رئيس؟
هل للبنان نسر؟ محزن ان تقول ان رئيس لبنان ونسره ايضا، نزعت من الاول قبضته في الطائف ومن الثاني منقاره ومخالبه على الحدود ما بين لبنان واسرائيل، ما جعل ارضنا وسماءنا مرتعا للضواري والكواسر!
اذا مللت السكينة والهدوء في كورونا، – التي اسماها الاسبان هكذا تيمنا بالتاج – فيمكنك الانتقال الى سان دييغو، التي قد تنعش ذاكرتك عن بيروت السبعينات، حيث تعج شوارعها بالصينيين واليهود والعرب واللبنانيين والمكسيكيين… يقال هناك ان العرق الاصفر يسعى لشراء سان دييغو كما يحاول المكسيكيون استعادة سلطتهم عليها. واما اذا اردت المزيد من الصخب فإن لاس فيغاس غير بعيدة بالمقاييس الاميركية، وقد يحالفك الحظ هناك فلا تقامر بكل ما تملك، اذ ستربح القليل لكن في النهاية ستخسر الكثير. لكن المؤكد هو انك ستصادف لبنانيين كثرا هناك، لأن اينما توجد مقامرة يوجد لبنانيون. هكذا يقال هنا.
أممية لبنانية
لكأن قدر اللبنانيين أينما كانوا او حلوا ان تلاحقهم منافسة اقرانهم السوريين والفلسطينيين والأردنيين والعراقيين وسواهم، فيسرق هؤلاء منهم جنسيتهم ليرفعوها فوق متاجرهم ومطاعمهم وملاهيهم ومحالهم، ويطلقوا عليها اسماء لبنانية جاذبة، وكأنهم يحاولون خلق أممية ما تحت عنوان لبناني.
تشاك، هو الآخر، يشكل نموذجا لهذه الأممية. يقول انه لبناني، ولد في فلسطين، وترعرع في لبنان وتعلم في مدرسة الراعي الصالح في الاشرفية، وانتقل الى قبرص وعمل ضابطاً يونانيا، ثم تزوج عراقية، واسس له مزرعة في كورونا… لكنني لم اعرف ماذا كان اسمه قبل ان يصبح تشاك،
شكرالله، شكيبان ام شاكر؟ فالاسماء ليست مهمة في بلد الارقام. المدن ارقام، المناطق ارقام، الاحياء ارقام، المنازل ارقام والشوارع ارقام والاشجار ارقام… والناس مجرد ارقام في بلد تحكمه الارقام ويحكم العالم بالارقام الصعبة والعملة الصعبة والتكنولوجيا المعقدة.
وكاليفورنيا “الاممية” التي هي نموذج لأممية الولايات المتحدة الاميركية، “تتكنتن” فيها مجموعات بشرية وافدة من مختلف قارات الارض، لكنها تتعايش بأمن وسلام في ما بينها ومع الاميركيين تحت العلم الاميركي السيد. ثمة مشهد واحد يذكرك بلبنان، هو مشهد الجموع المتألبة امام مركز الضمان الاجتماعي، المتسابقة لنيل المساعدات والمعونات من الدولة الاميركية الحاضنة. لكن، هنا ايضا، الجميع محكوم بالارقام وانتظار الدور لانجاز المعاملات، حيث لا تجدي الوساطات والشفاعات والرشى. فالافضلية دائما للمعوقين والمقعدين وكبار السن، اما النساء فنصيبهن مثل الرجال.
لوثر ابن القس الانجيلي، لبناني من سن الفيل – كما يذكر – طيب القلب بغير سذاجة، يعرف كاليفورنيا ظهراً عن قلب ويحمل في جيبه خارطة التوزع الجغرافي لكل المقيمين غير الاميركيين اصلاً على ارض هذه الولاية، التي انتزعها الكاوبوي الاميركي من مواطنيها الاصليين الهنود. هكذا تحولت ارض كاليفورنيا التي تشبه الملعقة التي تحوطها الجبال والهضاب، وتذكرك بوادي البقاع اللبناني، موئلاً جاذباً للمهاجرين من كل بقاع الدنيا وشعوبها، الذين وجدوا الرزق وفرص العمل في ارضها الخصبة، وفي التجارة الرائجة والحياة الآمنة، فانتشروا فيها واقاموا ما يشبه الكانتونات:
العرب في سان دييغو وكوفينيا، الاتراك في هوليوود، المصريون في رانشو وفيكزفيل، المكسيكيون في سانتا آنا، اليهود في هوليوود والمدن المزدهرة، المسلمون في اناهيم، الارمن في كلانديل وباسادينا… أما اللبنانيون والسوريون فينتشرون في مختلف انحاء الولاية ويتواصلون مع الجميع.
يعمل هؤلاء الى جانب المواطنين الاميركيين الذين لا يستطيعون التخلص والتحرر من عقدة الحادي عشر من أيلول، ولا يخفون رضاهم عن فكرة التنصّت على الغرباء والأجهزة المدسوسة في بعض المنازل والمكاتب ومقار الجمعيات الخيرية، لا سيما منها الاسلامية. لا يكاد المراقب يستطيع التمييز ما بين الاميركي والمجنّس الا لكون الثاني ما يزال عاجزاً عن التخلص من لكنته الخاصة التي تشوب لغته الانكليزية، خصوصاً الهنود والمكسيكيين والمصريين… الا أن هؤلاء جميعاً يعيشون مجتمعاتهم وتقاليدهم وطقوسهم الدينية الخاصة بحرية تامة، شريطة ألا تزعج الغير أو تمس بالقانون الأميركي. أما الدولة فلا يبدو أنها تعير اهتماماً كبيراً للأعياد الدينية والعطل الرسمية، كعيد الفصح أو سواه، كما لا يمكن الزائر أن يرصد أي مظهر ديني في الشوارع والساحات العامة.
… وعندما يأتي المسا!
مقاطعة كاليفورنيا، التي قامت من قعر المحيط، ملتصقة بجارتها المكسيك، ما انفكت أرضها الخصبة ومناخها اللبناني وموقعها التجاري المهم والانجازات التي حققتها الدولة، تجتذب إليها المهاجرين من كل أقطار العالم، وتقدم للجميع فرص العمل والحياة الآمنة المستقرة.
وعندما يعود اللبنانيون هنا عن أعمالهم ومتاجرهم مساء، ويغتسلون من عرق يومهم الشاق، يجلسون الى مائدة العشاء مع عيالهم، حيث سرعان ما تحضر التبولة والحمص والبابا غنوج وصحن المجدّرة، وإن أسعدهم الحظ فتكون هناك قنينة من العرق البلدي أحضرها لهم قريب زائر.
ثم، بعد العشاء الخاطف، يبادر رب البيت المخضرم فيضع أغنية “لوين رايح يا مروان” لوديع الصافي، تليها “ردّني الى بلادي” أو “فايق يا هوا” لفيروز، أو “سهرة حب” للاثنين معاً… بل أن يستشيط أحد أبنائهم أو بناتهم مللا، ويصرخ بالانكليزية الاصلية: “Stop” أو كفى داد!
وكذلك يحصل مع المصريين وهم يستمعون الى “أطلال” أم كلثوم والسوريين مع “قدود” صباح فخري الحلبية، الذين غالباً ما يلتقون مساء في منزل أحدهم.
ثم ينتقل الحديث الى السياسة بعدما يذهب الأبناء والبنات الى أسرّتهم. المصريون يرددون عبارة “سيسي ياس مرسي نو” ويلقون اللوم على أوباما لأنه لا يدعم الأول.
السوريون يسألون الوافد من لبنان أولاً: هل تعتقد بأن الحرب ستطول؟ ومن سينتصر في هذه الحرب؟ وهل ستستطيع سوريا القيامة من بين الدمار والركام؟
أما اللبنانيون فيسألون هل سيكون هناك رئيس مسيحي للجمهورية؟ وقبل أن تحاول إجابتهم يبادرون بالقول يبدو أن الأوفر حظاً هو العماد عون، أليس كذلك، خصوصاً أن واشنطن تخلت عن عدائها له إلا إذا كانت في صدد لعبة ما، أو صفقة ما، مع دولة ما، لتوجيه ضربة أخرى الى مسيحيي لبنان!
ثم يأتي الصباح ليمحو آثار المساء، قبل أن يعود اللبنانيون هنا لبنانيين فقط على مائدة العشاء لبضع ساعات.