
ليس وحده الإرهاب التكفيري هو الذي يهدد اللبنانيين في هذه الأيام، ذلك أن “الإرهاب الكهربائي” يقتحم يومياً كل منزل، عبر ساعات طويلة من التقنين القاسي الذي تفاقم أخيراً، ما دفع المواطنين في كثير من المناطق الى إطلاق صرخة مدوية، لا تجد من يسمعها في زمن “الشغور”.
فمعدل التقنين في الضاحية الجنوبية يتراوح بين 10و12ساعة، وفي معظم مدن الجنوب والبقاع بين 12و14ساعة، بينما يصل انقطاع التيار في بعض مناطق الشمال والبقاع الشمالي الى حدود 20 ساعة يومياً.
وهكذا، سيستمر اللبنانيون حتى إشعار آخر في دفع الفاتورة المزدوجة: الفاتورة الرسمية وفاتورة المولدات الخاصة ( كلفة الـ5 أمبير من 100الى 150دولاراً).
وقال مصدر نيابي بارز لـ”السفير”: علينا مصارحة اللبنانيين بأن التقنين سيطول، وأنه ما من معالجة قريبة له، وأن عودة الكهرباء 24 على 24 لن تحصل عام 2015 كما كان متوقعاً، ونصيحتي بأن تسارع كل عائلة لم تتدبر أمرها بعد الى شراء مولد خاص او الاشتراك بمولد الحي.
وبدا واضحاً ان زيادة الطلب بشكل تلقائي على الكهرباء والمياه مع بداية فصل الصيف، والاستهلاك الإضافي الذي ترتب على وجود أعداد ضخمة من النازحين السوريين في لبنان، عاملان تركا آثاراً سلبية مباشرة على الوضع الخدماتي المترهل أصلا، بفعل تعثر خطط التطوير والنهوض المُعدَّة، والتي بقي الكثير منها، حبراً على ورق.
وللدلالة على التأثير الكبير للعامل البشري المستجد، يمكن القول إن كمية الـ270 ميغاوات التي تؤمنها بواخر الكهرباء المرابطة امام الشواطئ اللبنانية يمتصها فوراً ضغط النازحين، وكأنها لم تكن أصلا، في حين ان الوظيفة الاصلية المفترضة لتلك البواخر هي رفد الشبكة بطاقة إضافية للتخفيف من منسوب التقنين، لا سيما خلال تأهيل المعامل.
وإزاء الطلب الكبير على الطاقة الكهربائية وعدم توافر مصادر جديدة للإنتاج او مخزون من الاحتياط، بات أي عطل يطرأ على محطة توليد او على الشبكة، يؤدي الى تفاقم الوضع وانكشاف العجز، وبالتالي زيادة ساعات انقطاع التيار.
وما زاد الطين بلة هو ان مشروع بناء المعامل الجديدة تعثر في مكان وتباطأ في مكان آخر، بحيث ان حساب البيدر لم يتطابق مع حساب الحقل. وحتى عمليات تأهيل المعامل القديمة وقعت في مطبات، كما حصل بالنسبة الى معمل الذوق الذي ألغيت مناقصة تأهيله بعدما تبين ان هناك عرضاً واحداً مقدماً، وبكلفة 300 مليون دولار تكاد تكفي لبناء معمل جديد!
وفي حين كان يفترض ان يساهم مقدمو الخدمات في تحسين أحوال قطاع الكهرباء، لا سيما من حيث الجباية، فإن التجربة العملية لم تكن مشجعة. كما ان الهيئة الناظمة للقطاع والتي تشكل عنصراً حيوياً من عناصر الإصلاح لم تؤلف بعد.
ولعل الصورة المأساوية لحال الكهرباء تختصرها المعادلة الآتية: إنفاق سنوي يقارب ملياري دولار تقريباً، يقابله زيادة في ساعات التقنين!