
إنصبّت انتقادات ممثلي المجتمع المدني على مجموعة من التعابير التي وردت في هذا القانون، مثلَ عنوانه الذي جاء عاماً ليشمل النساء وأفراد الأسرة، من دون التشديد على منح المرأة حقاً خاصاً بالحماية في اعتبارها الطرف المُعَنَّف. واعتبر هؤلاء أنّ هذا القانون جاء ليكرّس مفاهيم المجتمع الذكوري، وأبقى على سلطة الطوائف.
وذهبوا في انتقاداتهم أبعد من ذلك، معتبرين أنّ الجهات المولجة بالحماية والمرتبطة بقضاء الأمور المستعجلة قد تكون قاصرة عن حماية المرأة المعنّفة، ولا سيما في أوقات العطل الاسبوعية أو الرسمية. وإزاء هذه الانتقادات يطرح قسم كبير من المجتمع اللبناني أسئلة عن قدرة هذا القانون على الحدّ من العنف الذي تعانيه المرأة، ومدى كفايته لتأمين سلامتها؟
أربعة قرارات قضائية
إلّا أنّ القضاء اللبناني قد أجاب على الناحية القانونية لهذه التساؤلات عن طريق إصدراه أربعة قرارات قضائية تتضمّن تأمين الحماية الموقتة للمرأة.
وقد حاولت هذه القرارات القضائية تعريف مفهوم العنف المعنوي (ولا يخفى على أحد الصعوبات التي تكمن في تعريف العنف المعنوي ضمن الأسرة)، وعبرت عنه بالتحقير والتعرض بالشتائم والتجويع ومنع الزوجة من الخروج من المنزل.
واتخذ القضاء اللبناني تدابير لحماية النساء، عن طريق إخراج الزوج من المنزل لفترة محددة ومنعه من التعرض لزوجته أو الحد من حريتها، وإلزامه بإعادة المستندات والأدوات العائدة لها، والأبرز من ذلك تعيين إختصاصيين إجتماعيين للقيام بزيارات دورية ومتابعة مدى مخالفة الأطراف لقرارات الحماية.
نية جازمة… صفة مُوَقّتة
وتعكس هذه القرارات القضائية بنحو جازم نية القضاء اللبناني تنفيذ أحكام هذا القانون بغية تأمين الحد الأدنى من الحماية للأسرة وتحديداً المرأة المعنّفة. إلّا أنّ هذه القرارت الحمائية تتصف بالصفة المُوَقتة وهي تضمن حماية محددة للمرأة التي يتوجب عليها مراجعة القضاء المختص للسير في المحاكمات القضائية وفق الأصول.
تساؤلات جديدة
ولكن بعيداً من سير المحاكمات القضائية الطويلة والمعقدة، أين الحماية الحقيقية للمرأة التي قد لا تجد لها ملجأً آمناً بعد انتهاء مدّة الحماية الموقتة، وكيف لهذا القانون أن يربط حماية المرأة المعنّفة بإلزام المعنف تأمينَ السبل المادية اللازمة لها ولأطفالها، أليس في ذلك تكريس للتبعية الاقتصاديّة بين المعنّف والمعنّفة والتي قد تكون السبب الأبرز في ولادة العنف وتطوُّره؟
وهل يمكن أن نتحدث عن تطوُّر جذري في مسألة العنف المُمَارس ضدّ النساء في ظل غياب نسبي لبرامج التوعية الاجتماعية وبرامج التمكين الاقتصادي لمنح المرأة الاستقلالية المادية والاجتماعية؟
التحرُّر في التمكين
إنّ المراجعة البسيطة لتطوُّر الحركات النسائيّة في العالم تُبيّن أنّ الخطوة الأولى لتحرر المرأة من القيود تكمُن في تمكينها اقتصاديّاً واجتماعيّاً، عن طريق تأمين فرص عمل تتيح لها تكوين استقلالية مادّية حقيقية، فقدرتها الاقتصاديّة هي الكفيلة باتّخاذها القرارات الحاسمة حيث يجب أن تتخذ، ولا سيما في حال تعرضها للعنف أيّاً يكُن نوعه.
كذلك، فإنَّ الوعي القانوني الجماعي لحقوق الأفراد يشكل الخطوة المكمّلة لتكوين مجتمع يؤمن بالعدالة والمساواة الاجتماعية بين أفراده بما فيها العلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة.
درس الحاجات الحقيقية
من هنا، إنّ العمل على الحماية الحقيقية للمرأة المعنّفة في المجتمع اللبناني لا يمكن أن يكون عن طريق الإمعان في انتقاد الألفاظ أو التعابير المستخدمة أو المؤسسات الدينية والنظام الديني واعتبار المرأة ضحية له، والحقيقة هي أنّ جميع اللبنانيين سواءَ النساء أو الرجال هم ضحية هذا النظام الطائفي الذي يعلو على الدولة المدنيّة الحقيقية.
إنّ العمل الحقيقي لحماية المرأة والمجتمع اللبناني يَكمُن في ضرورة تأمين الحماية الدائمة لا المُوَقّتة للمرأة عن طريق تمكينها اجتماعياً واقتصاديّاً من خلال برامج غير مستعارة بل برامج تدرس بعمق وجدّية الحاجات الحقيقية للمجتمع اللبناني بجميع أفراده نساءً ورجالاً.