حين ازدهر سوق “حلف الأقليّات” قبل بضع سنوات، نشط منظّروه ومخطّطوه في عقد التحالفات و”التفاهمات”، وفي بسط الرعايات والحمايات على المسيحيّن في لبنان وسوريّا والعراق، كحلقات مترابطة في الهلال الضارب من قمّ إلى الناقورة، ونجمته الساطعة إسرائيل.
في إيران، سمعنا من يقول إنّ بقايا المسيحيّين يعيشون “عصرهم الذهبي” في الحريّة والكرامة(حريّة ذهب أم خشب؟)، وفي العراق يبسط حكم الأكثريّة الشيعيّة حمايته على أطلال القرى المسيحيّة وما تبقّى من شتاتهم، وفي سوريّا يدخل المسيحيّون في ذمّة النظام العلوي ويحتمون بسطوته، وفي لبنان أوهموا نصف المسيحيّين بأنّ “حزب الله” هو سيف النصارى ودرعهم ضدّ الخطر التكفيري، فكان لا بدّ من “التفاهم” ببعده الذمّي السافر.
هذا النشاط الدعائي الترويجي لا يزال مستمرّاً، ويجد تربته الخصبة في تعميق واستغلال حالة الذعر لدى المسيحيّين، لكنّه بدأ يدرك فشله في جعلهم لقمة سائغة لهيمنته، ورافداً ضروريّاً لمشروعه.
والدليل هو تقلّص الحالة الشعبويّة التي نفخها هذا الترويج، فلم يعد المسيحيّون ضحيّة سهلة لنهج تخويفهم، وقد ظهر هذا التطوّر الواعي في مواقف قياداتهم الروحيّة والسياسيّة، فلم تعُد بكركي تتفاعل آليّاً مع حملات التخويف، أو تساهم فيها، ولم تعُد فاعليّات 14 آذار في موقع التبرير أو الدفاع عن النفس أمام مزايدة مسيحيّي 8 آذار.
وقد بدا الفريق المسيحي في 8 آذار في موقع المحرَج والمعزول بعد انكشاف حقيقة حملاته الدعائيّة، واتّضح تراجع شعبيّته المتزايد خلال الشهور الأخيرة.
لذلك جاءته النجدة الجديدة بوجهَيْن:
– الأوّل، في تعليمة – نصيحة بوجوب القفز إلى الخبطة السياسيّة – الإعلاميّة المعروفة ب”مبادرة” ميشال عون لانتخاب رئيس الجمهوريّة مباشرةً من الشعب، والنوّاب من طوائفهم ومذاهبهم، في إطار بازار “داعشي” مسيحي لإلهاب المشاعر وتحشيد المتعاطفين.
– والثاني، في الخطّة الجديدة القاضية باستخدام البيانات الصادرة عن أسماء تنظيمات سنّية متطرّفة مثل “لواء أحرار السنّة في بعلبك”، والتي تعتمد لغة تهديد مباشرة للمسيحيّين في كنائسهم و”صليبيّتهم”.
في الوجه الأوّل لخطّة توريط المسيحيّين، أُصيب مطلقوها بالذهول بعدما تبيّن لهم تهافتها منذ لحظة إعلانها على لسان عون. فلا المسيحيّون تفاعلوا معها واحتشدوا حولها، ولا المسلمون أعاروها اهتماماً، نظراً لخروجها عن الزمان والمكان، واعتبارها ضربة سيف في الماء والهواء، أو مجرّد فرقعة إعلاميّة تخمد مع تبدّد الليل.
حتّى أنّ بعض أوساط عون نفسه، بدأت تلقي مسؤوليّة الفشل على الثنائي الموحي ب”المبادرة”، وهو ثنائي معروف الهوى والهويّة، والشكل والطويّة، ولم يكن يوماً موضع ثقة عند المسيحيّين، ولا اللبنانيّين.
أمّا الوجه الثاني، فكان سقوطه أسرع ممّا تصوّر صانعوه: المرجعيّات الأمنيّة الرصينة وضعته في جانبه المخابراتي ضمن الصراع القائم، وأكّدت أنّ بيانات التهديد صادرة عن حالة وهميّة لا وجود لها في حيّز الواقع. وبات التنبّه ضروريّاً لإمكان استغلال التهديد والقيام بأعمال تفجير إثباتاً للتخويف.
وإلى ذلك، لاحظ الجميع أنّ “داعش” نفسها لم تستخدم هذا النوع من البيانات ضدّ المسيحيّين، لا في العراق ولا في سوريّا، طالما أنّها قادرة على فعل ما تشاء بكلّ من تكفّرهم من مسلمين ومسيحيّين. ويتساوى عندها في الشرك جميع من لا يؤيّدون أهدافها وحركتها، ولا تميّز في تصفيتهم بين سنّي وشيعي ومسيحي.
وقد نجحت القيادات السنيّة الواعية في كشف أهداف الواقفين وراء بيانات تهديد المسيحيّين، بدءاً من مفتي بعلبك – الهرمل، وصولاً إلى القيادات الأُخرى الدينيّة والسياسيّة في البقاع وسائر لبنان.
مرّةً جديدة، يسقط “حلف الأقليّات” في الأفخاخ التي ينصبها، فلا العقيرة المسيحيّة ارتفعت تأييداً لما طرحه عون، ولا المسيحيّون والمسلمون وقعوا في حفرة الفتنة التي نُصبت لهم.
“أشرار السنّة”، هم نتاج أكيد وطبيعي للأنظمة السائدة في سوريّا والعراق وإيران. وفي حال ظهورهم في لبنان، سيكونون نتاج الأنظمة نفسها عبر “حزب الله”.
كان للبنان تجربة مريرة تحت مسمّى “فتح الإسلام” بمن شكّله وسلّحه ودفعه وأرسله، على أمل ألاّ يستطيعوا مرّة أُخرى إدخال لبنان في تجربة مريرة جديدة تحت مسمّيات “تويتريّة” تنزل من التغريد إلى التهديد، وتتحوّل لاحقاً إلى عبء على مطلقيها.
فهل ما زالت لدى محور “الممانعة والمقاومة” أرانب كثيرة كي يُطلقها من بعلبك أو الرابيه أو الضاحيه؟
نأمل في أن يُصاب مولّدو الأرانب بالعقم.