رجل “حزب الله” في مصر

في كانون الأول 2013، وجه النائب العام المصري اتهامات جديدة ضد مرسي، من بينها التآمر مع «حماس» لتنفيذ عمليات إرهابية في مصر. وطالت الاتهامات الأولية «حزب الله» [«الحزب»]، في ادعاءات خاصة فحواها أن هاتين الجماعتين المتشددتين قد ساعدتا آلاف السجناء على الهروب من السجون المصرية.

وفي حين يتظاهر «حزب الله» بكونه منظمة “مقاومة” لبنانية بحتة، إلا أنه يملك سجلاً حافلاً بالعمليات التي نفذها خارج لبنان. ففي عام 1994، ضلع في تفجير مركز الجالية اليهودية في بوينس أيرس، الأمر الذي أسفر عن مقتل 85 شخصاً. كما نجح في إقامة علاقات مع جماعات فلسطينية مسلحة. وعلى الرغم من أن «حزب الله» جماعة شيعية مسلحة في الأساس، إلا أن تعاونه مع الفلسطينيين السنة ضد “المحتلين الصهاينة” أكسبه دعماً واسعاً في جميع أنحاء العالم العربي.

لقد لاقت هذه الاتصالات الفلسطينية أيضاً تشجيعاً كبيراً من إيران – المرشد الروحي لـ «حزب الله». ولا تزال إيران، التي تنفذ عملياتها العسكرية عادةً من خلال جناحها العسكري “فيلق القدس”، تمارس نفوذاً قيادياً على «حزب الله». وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي وحتى منتصفها، ضلع المعارضون لاتفاقيات أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين في تنفيذ هجمات إرهابية لتقويض فرص تحقيق السلام. وكانت إيران نشطة بشكل خاص في تشجيع العمليات الإرهابية التي تستهدف إسرائيل. ففي شباط/فبراير من عام 1999، وردت بعض التقارير التي أفادت بأن الشرطة الفلسطينية قد اكتشفت وثائق تثبت عملية تحويل 35 مليون دولار أمريكي إلى «حماس» من قبل “وزارة الاستخبارات والأمن الوطني” الإيراني، بغرض تمويل أنشطة إرهابية ضد أهداف إسرائيلية. ومع ذلك، لا يزال «حزب الله» المجموعة الأساسية التي تعمل بالوكالة عن إيران. كما شكّل «الحزب» وحدة مخصصة لتسهيل تسلل عناصرها إلى إسرائيل لجمع معلومات استخباراتية وتنفيذ هجمات إرهابية – وهي “الوحدة 1800”.

ابتداءً من عام 1995، عكفت مجموعة منتقاة من القادة التنفيذيين داخل “منظمة الجهاد الإسلامي”، الجناح العسكري لـ «حزب الله»، على وضع خطط لاختراق الدفاعات الإسرائيلية. وقد نجحت “الوحدة 1800” في مساعدة ما لا يقل عن خمسة من عناصر «حزب الله» على التسلل إلى إسرائيل في الفترة ما بين عامي 1996 و 2001، ورغم ذلك لم ينجحوا في تنفيذ هجمات إرهابية هناك. ومن جانبها، سعت إيران إلى تكثيف وتنسيق العمليات الإرهابية التي اضطلع بها العديد من الجماعات الفلسطينية التي قدمت لها الدعم من خلال «حزب الله». كما كلفت إيران عماد مُغنية بتعزيز القدرة العملياتية لـ «حماس» وحركة “الجهاد الإسلامي الفلسطيني”.

وتشمل التطلعات الأخرى لـ “الوحدة 1800” خطف إسرائيليين وتجنيد عرب إسرائيليين. وفي عام 2000، نجح أحد الأفراد الأساسيين في “الوحدة 1800” التي يقودها مغنية في اختطاف عقيد متقاعد من قوات “جيش الدفاع الإسرائيلي”. وهو الأمر الذي مكّن «حزب الله» من تأمين عملية إطلاق سراح أكثر من 400 سجين من السجون الإسرائيلية. وأخيراً، اكتشف «حزب الله» مدى أهمية سيناء لتنفيذ عمليات التهريب عبر الحدود مع غزة.

في وقت ما في عام 2005، سافر أحد عناصر «حزب الله» ويُدعى محمد يوسف منصور إلى مصر بجواز سفر لبناني يحمل الإسم الوهمي – المشابه لإسم إحدى العائلات السنية [في بيروت] – سامي هاني شهاب. وقد كان منصور مسؤولاً عن “ملف «حزب الله» في مصر”، وهو جزء من ملف «الحزب» الأكبر الذي يضم “دول الطوق” المحيطة بإسرائيل مثل مصر والأردن وسوريا. وفي مصر، عمل منصور بشكل وثيق مع عنصر بارز آخر في «الحزب»، محمد قبلان، لبناء شبكة دعم لـ «حزب الله» في مصر.

وبعد ذلك، في أعقاب اغتيال عماد مُغنية في شباط/فبراير 2008، تعهد نصر الله شخصياً بالانتقام من الإسرائيليين. وفي مصر، بدأ بعض أعضاء شبكة «حزب الله» في التخطيط لتنفيذ مجموعة متنوعة من الهجمات الإرهابية، ولا يزال بعضها يستهدف الإسرائيليين بكل وضوح. ومع ذلك، يبدو أن الهجمات الأخرى تستهدف أهدافاً مصرية، بما في ذلك مراقبة قناة السويس.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2008، تم تفكيك الخلية والقبض على 26 شخصاً من الـ 49 عنصراً الذين نجحت السلطات المصرية في تحديد هويتهم، ومنهم محمد منصور. أما بقية العناصر فإما قد فروا من البلاد، مثل محمد قبلان، أو هربوا إلى سيناء.

عملية خداع باسم سني

كان المجندون في الشبكة في مصر من السنة، وليس الشيعة. وقد قدم منصور نفسه على أنه فلسطيني يعيش في سوريا مستخدماً لذلك الغرض، كما ذُكر سابقاً، اسماً شبيهاً لاسم إحدى العائلات السنية وهو سامي شهاب. هذا وقد أخبر أحد أعضاء الشبكة المصريين – ويُدعى ناصر جبريل – المحققين بأنه قد التقى بمنصور بواسطة أحد الأعضاء الفلسطينيين في المجموعة. وقدم منصور نفسه لجبريل – مستخدماً اسم شهاب – على أنه زميلاً فلسطينياً؛ ودعى جبريل – وهو أحد أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» – إلى الانشقاق عن «الإخوان» والانضمام إلى جماعة جديدة تكرس جهودها لمساعدة نشطاء فلسطينيين.

وفي حين ما تزال شبكة «حزب الله» تجمع لعدة سنوات معلومات استخباراتية نيابةً عن «الحزب»، إلا أنه وفقاً للتقارير لم تكن السلطات المصرية على علم بذلك حتى لفت العديد من أجهزة المخابرات الأجنبية المختلفة، بما فيها “الموساد” الإسرائيلي و “وكالة المخابرات المركزية” الأمريكية، انتباه السلطات المصرية تجاه هذه الشبكة. وتعليقاً على علاقة جماعة «الإخوان» بالشبكة، أدلى مبارك بأحد التعليقات التي توحي بأن السلطات المصرية قد كانت على علم بقيام الشبكة التي كانت ولا تزال تزود «حماس» بالأسلحة.

أقوال متضاربة

تساءل البعض عن مدى قوة الاتهامات المصرية، خاصة منذ أن أكدت السلطات المصرية في المقام الأول بأن الشبكة كانت ولا تزال تدعم نشطاء فلسطينيين. ويبدو أنه كان من المتعمد أن تحظى الاتهامات الرسمية بهذا الانتشار.

كما اعترف نصر الله بأن منصور كان أحد أعضاء «حزب الله» “الذي أقام في مصر لمساعدة الفلسطينيين في الحصول على العتاد (العسكري)”.

وقد تشكلت شبكة «حزب الله» المصرية، حسبما أخبر منصور المحققين المصريين، كجزءٍ من خطة أوسع نطاقاً تهدف إلى إنشاء شبكات تابعة لـ «الحزب» في مصر. كما اختار «حزب الله» قبلان كقائد عام، وذلك من أجل ضمان نجاح العنصر المصري في الخطة. وقد ظهر منصور في المشهد في عام 2005، وعمل، عن طريق تقديم التقارير من قبلان و “الوحدة 1800″، بتوجيه من القائد الأقدم لـ “الحرس الثوري الإسلامي” الإيراني في لبنان.

وعلى مدار عدة سنوات، سهلت الشبكة عمليات نقل الأسلحة من السودان إلى غزة. كما أنشأ منصور متجراً في العريش. هذا وقد تم شراء شقق إضافية لاستعمالها كمخابئ آمنة في رفح. كما تم تهريب مقاتلين فلسطينيين من غزة للسفر إلى السودان لتلقي التدريبات والتعليمات على تنفيذ العمليات الإرهابية. وقد اشترى منصور شققاً بالقرب من الحدود المصرية الفلسطينية لتسهيل عملية تهريبهم.

وقد أخبر منصور – حسبما أفادت التقارير – المحققين بأنهم “قاموا بتهريب مقاتلين فلسطينيين من مصر إلى عمق إسرائيل”.

كما سعت الشبكة إلى تجنيد عرب إسرائيليين لتنفيذ هجمات في إسرائيل أو تسهيلها، تماماً مثل العمليات التي كانت تقوم بها “الوحدة 1800”. ووفقاً لما أفادت به التقارير، حصلت شبكة «حزب الله»على مساعدة من أحد الأفراد الذين عملوا لصالح قناة “المنار” التلفزيونية الفضائية التابعة لـ «حزب الله». هذا وقد أُسند إلى أحد موظفي قناة “المنار” الناطقين باللغة العبرية مهمة “الاتصال بعناصر داخل إسرائيل من خلال الإنترنت لجمع معلومات حول سائحين إسرائيليين يزورون مصر”.

ويبدو أن اهتمام شبكة «حزب الله» بالسائحين الإسرائيليين زاد بشكل كبير في أعقاب اغتيال عماد مُغنية. وفي ذلك الوقت، في مطلع عام 2008، وجه محمد قبلان تعليماته إلى منصور لتنفيذ عملية مراقبة والاستعداد لشن هجمات على السائحين الإسرائيليين في مصر.

كما أجرت الخلية عملية مراقبة لقناة السويس. هذا وقد أفادت تقارير بإقدام أعضاء من شبكة «حزب الله» على تأجير عقار بمحاذاة القناة لتسهيل عملية المراقبة.

واستشهدت تقارير إعلامية ببرقيات حكومية سجلت محادثة دارت بين رئيس المخابرات العامة المصرية السابق، عمر سليمان، والأدميرال مايك مولن، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة السابق، أشار فيها سليمان إلى أن القاهرة تناولت مؤامرة «حزب الله» على محمل الجد حتى أنها أعدت قدراتها الخاصة “للتدخل” في الشؤون الداخلية لإيران على سبيل الانتقام، حال الضرورة.

وذكرت وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية بأن تحقيقاً استمر لمدة عامين أزال النقاب عن خلية يقودها ضابط مخابرات إيراني دخل إلى البلاد بجواز سفر عراقي مزور في صيف 2006. وأفادت تقارير صحفية عن إلقاء القبض عليه في أيار/مايو 2009، إلا أن ضابط المخابرات الإيراني، محمد علم الدين، وثلاثة آخرين كان قد أُلقي القبض عليهم قبل خمسة أشهر. وقد أكد الأربعة ضباط على قيام قاسم سليماني بإرسالهم لتكوين شبكة استخباراتية في مصر.

وفي نيسان/أبريل 2010، أصدر قاضِ في محكمة أمن الدولة طوارئ في القاهرة حكماً بالسجن مدى الحياة على ثلاثة متهمين، جميعهم أعضاء من «حزب الله» يُحاكمون غيابياً (بما فيهم قبلان)، وأحكاماً أخرى تتراوح بين ستة أشهر و 15 عاماً بحق 23 آخرين، بما في ذلك حكماً بالسجن 15 عاماً على محمد منصور.

ومن المؤكد أن القلق قد انتاب حكومة مبارك بشأن احتمالات التعاون ما بين «حزب الله» و جماعة «الإخوان» في مصر. وكثيراً ما وجهت مصر التهم لـ «حزب الله» باعتباره من الجماعات التي تعمل بالوكالة لصالح إيران وقدمت أوجه الدعم لمعارضيه السياسيين السنة في لبنان.

وقد لاذ منصور وبقية أعضاء الشبكة بالفرار من سجن وادي النطرون في خضم الفوضى التي أحدثتها الثورة التي أطاحت بمبارك. ووفقاً للنتائج، يبدو أن “عمليات الهروب قد نُفذت على يد جماعات بدوية تعمل بناءً على طلب من «حزب الله»”.

وحسبما أوردت التقارير، نجحت عناصر من «حزب الله» في تهريب منصور من مصر إلى السودان مباشرة بعد اندلاع الثورة، وذلك بعكس طريق تهريب الأسلحة الذي ساعدوا في إنشائه من السودان عبر مصر.

وتؤكد شبكة «حزب الله» في مصر على ثلاثة مواضيع مهمة وحاسمة لفهم آلية عمل الجماعة في الخارج وهي:

أولاً، غالباً ما تتم دعوة شبكات «حزب الله» لتوفير الدعم اللوجيستي للعمليات التي تتجاوز نطاق اختصاصها الأصلي.

ثانياً، يتبنى «حزب الله» طريقة عمل ثابتة منذ فترة طويلة في مراقبة الأهداف المحتملة قبل تنفيذ العمليات حتى عند عدم وجود أي مخطط يجري الإعداد له.

ثالثاً، يملك «حزب الله» سجلاً خطيراً من العمليات في الشرق الأوسط، ويرجع تاريخ ذلك إلى العمليات الإرهابية في الكويت عامي 1983 وعام 1985. وقد استمرت عمليات «حزب الله» الإرهابية خلال فترة التسعينات بتفجير ثكنات القوات الجوية الأمريكية في “أبراج الخبر” عام 1996، وباستثمارات «الحزب» الهائلة في سوريا منذ بداية الألفية وحتى يومنا هذا.

لقد بذل «حزب الله» جهوداً مضنية لتبرير وجوده على الساحة العالمية باعتباره منظمة “مقاومة” حقيقية تقاتل بهدف تحرير الأرض المحتلة، كما ركز بصورة أساسية على الإدعاء الواهي بأن “مزارع شبعا” هي جزء من لبنان ويجب أن تظل محررة. واليوم، يواجه «الحزب» هجوماً أكثر شراسة جراء مشاركته في الحرب الأهلية السورية إلى جانب نظام الأسد. وبدون وجود الفزاعة الإسرائيلية لتبرير احتفاظ «حزب الله» بأسلحته باعتبارها “مقاومة مشروعة”، فلن يتبقى لـ «الحزب» سوى مبرر ضعيف لوجوده بصفته ميليشيا مستقلة خارج سيطرة الحكومة اللبنانية. والأسوأ من ذلك، طالما استمر «حزب الله» في القتال إلى جانب نظام الأسد ضد الثوار السنة، فسيُنظر إليه بشكل متزايد على أنه قوة قتالية طائفية تعمل على تقويض الدولة اللبنانية. وفي ظل هذه الظروف، فمن شبه المؤكد أن يعيد «حزب الله» تركيزه على أنشطة “الوحدة 1800” في مسعى منه لدعم سمعته كمجموعة تركز أساساً على “مقاومة” إسرائيل.

المصدر:
الجزيرة

خبر عاجل