
متى النتيجة؟ سؤال واحد يتردَّد على ألسنة نحو 108 آلاف طالب خضعوا للامتحانات الرسمية، ولا يزال مصيرهم يترنَّح بين مقاطعة التصحيح، إعتماد الإفادات، إلغاء الدورة الأولى… وغيرها من السيناريوهات الدراماتيكية التي تُعزِّز ضبابيّة مرحلة ما بعد الامتحانات الرسمية، وتضَع الطلّاب في حيرةٍ من أمرهم، والأهل في خوفٍ على مستقبل أولادهم. فلا أرقام وزارة التربية “كلَّت”، ولا هواتف مديري المدارس هدأت… مكالمات ليل نهار مستفسِرة: “شو منعمِل؟” وين منروح؟”.
“هيدي المقدّمة”، بهذه الروحية يتوجَّه الأساتذة والأهالي والطلّاب اليوم إلى وزارة التربية والتعليم العالي ليرفعوا الصوت عالياً عبر اعتصام مركزيّ يستمرّ 24 ساعة، على أن تتبعَه تحرّكات تصعيدية شبه أسبوعية، لتحديد، ليس فقط مصير التصحيح، إنّما مستقبل العام الدراسي المقبل.
“سدَّدنا الأقساط على رغم زيادتها، وقام أولادنا بكلّ ما في وسعهم لضمان نجاحهم، ما ذنبُنا؟”. صرخة من أعماق قلبها تُطلقها الوالدة نغَم، وهي أمٌّ لولدين، خضعَ بِكرُها لامتحانات الثانوية العامّة وصغيرُها للمتوسّطة، صامَت وصلَّت ليتخرّج ولداها وتسافر معهما، وتلتحق بزوجها الذي يعمل خارجاً. حسبَت نغم كلّ الحسابات إلّا مصير مقاطعة التصحيح، فتقف عاجزةً تنتظر مَن يمدّها بالحلول الناجعة.
صرخةُ الطالب ربيع لا تقلّ ألماً عن الوالدة نغَم، فهو منذ العام المنصرم قدَّم امتحانات تمهيدية للالتحاق بإحدى الجامعات الأجنبية، ويراهن على علاماته لحجز مقعدٍ دراسيّ له، إلّا أنّه يقف متفرّجاً ليس بيدِه حيلة سوى الانتظار.
الحلول المطروحة
“أكيد لن نتراجع عن حقٍّ سبقَ أن اعترفَت به كلّ القوى السياسية”. المسألة محسومة بالنسبة إلى نقيب المعلّمين نعمة محفوض، الذي يرفض المراهنة على طيبة قلب الأساتذة: “اللعب على العواطف ما عاد ينفع”، ويقول لـ”الجمهورية عشيّة التحرّك: “قدّمَت الهيئة كلّ ما في وسعها، ولا تملك شيئاً لتتراجع عنه، وسبق أن اتّفقنا على إجراء الامتحانات من دون التصحيح. فإذا تراجعنا هذه المرّة، كيف نصل إلى حقوقنا؟”.
وعن خلفية التحرّك الجماعي اليوم، يؤكّد محفوض “أنّه لتأكيد عدم رغبتِنا في الوقوف بمواجهة مع الأهالي والطلّاب، إنّما صفّاً واحداً. إضرابُنا ليس من أجل تحصيل السلسلة فقط، إنّما للحفاظ على المستوى التعليمي، فمصلحة الطلّاب والأهالي والمعلمين في سلّة واحدة. ويضيف: “لو تخلّى الأساتذة الأكفّاء عن رسالتهم في التعليم منذ 3 أعوام نظراً لعدم تلبية مطالبهم، لكان تدنّى المستوى التعليمي ولم يبقَ فيه سوى اللامبالين”.
ما هي الحلول المطروحة أمام الطلّاب؟ يجيب محفوض: “المؤسف أنّ البعض راهنَ على إجراء الامتحانات بلا هيئة التنسيق وخسِر الرهان. واليوم نسمع من يروِّج لتبنّي خيار الإفادات، وهم بذلك يقضون على مصير الطلّاب ومستقبل التربية في آن معاً. فقد سبقَ وجرّبنا الإفادات عامَي 1979 و1980، وأمضينا 10 أعوام نعاني ونتخبّط في قطاع التربية…”.
تداعيات الإفادة
ويتوقّف محفوض عند تداعيات الإفادة، موضحاً: “إعطاء الإفادات يعني إنجاح الجميع، وإدخال كمّية لا بأسَ بها إلى المرحلة الثانوية، فكيف تستوعبهم الجامعات وسوقُ العمل والوظائف؟”. ويضيف: “ما من عاقل تربوي يقبل بتبني حل الإفادات لأننا بذلك نساوي الراسب بالناجح”.
في وقتٍ يأمل الطلّاب وأهلهم أن يكون الحلّ الموَقّت باعتماد الإفادات، بصرفِ النظر عن تداعياتها السلبية المستقبلية، يُشكّك محفوض في إمكان انطلاق السَنة الدراسية المقبلة قائلاً: “إعتماد الإفادات يعني تأخير الأزمة وليس التوصّل إلى الحلّ، لذا قد لا ينطلق العام الدراسي ما لم ننَل مطالبنا”.
المدارس الكاثوليكية
كيف ستتعاطى المدارس الكاثوليكية مع المرحلة المقبلة؟ سؤال توجَّهنا به إلى أمينِها العام الأب بطرس عازار، الذي يُبدي استياءَه لضبابية المشهد التربوي، ويؤكّد لـ”الجمهورية”، “أنّ المدارس الكاثوليكية لن تتسرَّع وتُسجّل أيّ طالبٍ ما لم تُصدر وزارة التربية تعميماً يفرض اعتماد الإفادات”.
ويوضح: “لا نُشجِّع إعطاءَ الإفادات إطلاقاً، وحتى لو اعتُمدت، لا بدّ من العودة إلى العلامات المدرسية للعامَين المنصرمَين”. ويضيف: “في الحالات الطبيعية لا تستقبل معظم المدارس اللبنانية، وعلى رأسها الكاثوليكية، أيّ طالب ترفيعُه غيرُ مبرَّر أو لا يملك شهادة رسمية، بالإضافة إلى أنّها تُخضِع طلّابها لامتحان دخول بهدف الحفاظ على المستوى التعليمي، والتأكّد من أحقّية الترفيع”. ويذهب عازار أبعد من ذلك، مشيراً إلى أنّ بعض المدارس قد ينصح مَن رسَب بإعادة عامِه الدراسي أو تغيير المدرسة، نظراً إلى حرصِها على المستوى، فكيف تقبل بالإفادات؟”.
لموقف وزاري حاسم
في هذا السياق، يناشد عازار وزيرَ التربية الياس بو صعب، “إصدارَ موقف حاسم وواضح بمثابة خطّة طريق ليُصار إلى تطبيقها، فهل تُصحَّح المسابقات أو ستُعطى إفادات؟ فالجامعات تحتاج لمعرفة ما ينتظرها، وكذلك المدارس لتُقفِل أبوابَها وتحضّر للعام الدراسي المقبل”. ويؤكّد عازار “أنّنا لا نقصد بالموقف المتشدّد الانتقامَ من المعلّمين، إنّما الحفاظ على مصلحة الطلّاب.
وتعليقاً على التلويح بالتصعيد وتأخير انطلاقة العام الدراسي، يقول: “لا نشجّع أيّ تأخير في بدء العام الدراسي، ونُفضّل التشاور مع المعنيّين، ومن بينهم هيئة التنسيق.
وقد شُكّلت أخيراً لجنة منبثقة عن اتحادات تربوية ونقابة المعلّمين ولجان الأهل، واتّفقنا على بقاء التنسيق للوصول إلى ما يعود بأقلّ ضرَر ممكن على الطلاب”.
ما من حلّ قريب
“الوزارة في كباشٍ لا تُحسَد عليه”. عبارةٌ تُلخِّص الأجواء السائدة في أروقة وزارة التربية التي ما عادت تُميِّز بين “الصيف والشتاء”. الاجتماعات متلاحقة بوتيرةٍ لم تشهدها سابقاً. في هذا الإطار، يؤكّد الوزير إلياس بوصعب في حديث لـ”الجمهورية” أنّ “أبواب الوزارة لن تقفَل في وجه أحد، وأهلاً وسهلاً بالجميع، لكنَّ الوزارة لا تملك أيّ حَلّ، ولا يُمكن التصحيح من دون الأساتذة، لذا سنتواصل مع الهيئة والمعلمين غداً (اليوم) لتحديد الخطوات المناسبة”. ويضيف متشائماً: “قرار التصحيح ليس في يَد وزير التربية، لذا أستبعد أن نصل إلى حَلّ اليوم”.
في الختام، تبقى كلّ السيناريوهات غامضة ما لم تتوحّد الجهود لجعلِ مصلحة الطلّاب فوق أيّ اعتبار. فهل مَن يبالي؟