كتب أمجد إسكندر في “المسيرة”:
في عموده الشهير في “الواشنطن بوست”، وضع فريد زكريا عنوانا فريداً لمقالته.
“الهوية وليست الإيديولوجيا، هي مَنْ تُحرِّكُ هذا العالم”. وبأسف واضح، لاحظ هذا الأميركي، المُهاجر من الهند، والمُسلم أبًاً وأُمًّاً، أن غيره في “هذا العالم” لا يزال شعوره الوطني مُنصَبًّا على دينه وإثنيته وطائفته. وما لم يلحظه في عموده أن مجموعاتنا الشرق الأوسطية، أُرغمت على تقديم الإيديولوجيا والمواقف السياسية، على سائر العوامل الأخرى في سعيها الى بناء الدولة، فكانت النتيجة: أننا خسرنا الدولة ولم نربح شيئاً من الإيديولوجيات، ووضعنا هوياتنا قيد الإحتجاز.
في المقابل، يعلن فريد رفيق زكريا، أن أميركا جعلته يتخطى كل هذه العوامل، ومنحته شعوراً وطنياً قائماً على الحرية، ولا شيء غير الحرية. كلماته كان يُمكن اختصارها بكلمتين: “الحلم الأميركي”. لاحظ زكريا أن نزعة “الهوية السياسية” لا تزال فاعلة، وأن التدني الاقتصادي ليس السبب، بدليل تعاظم الشعور بالهوية السياسية في هولندا والدانمارك وفنلندا واسكوتلندا، حيث معضلة المهاجرين والإنتماء التاريخي تتقدم على مسائل الإقتصاد. وقسـَّم زكريا العالم الى فسطاطين. هناك هويات سياسية ووطنية أنتجت قيماً أخلاقية عالية، كما هي الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا مثلا، وهناك هويات أخرى بدأت تشق طريقها الى الوجود، لكنها مبنية على القلق والخوف.
يمدح زكريا الشعور الوطني في أوكرانيا وبولندا، ويتوجس من قومية بوتين الروسي، وأردوغان التركي، وشنزو آبي الياباني الذي يريد إعادة النظر بالمنحى السلمي للدستور. لماذا الآن؟ سؤال طرحه زكريا وأجاب بأن العولمة وما فرضته من متغيّرات، جعلت “هويات عديدة”، من كاتالونيا الإسبانية واسكوتلندا البريطانية الى دول الشرق الأوسط، تطرح معانيَ جديدة وقضايا ملحة لم تكن في الحسبان.
يُنهي زكريا مقالته بأن المشرف على أطروحته في هارفرد، صامويل هنتنغتون الشهير، كان توقَّع قبل سنوات بأن الهويات السياسية هي التي ستحرك عالمنا المعاصر وستكون محوره. هنتنغتون قال إن السؤال المشحون بالعواطف سيكون “من نحن”؟ والسؤال الأكثر تشاؤمًا سيكون “من ليس نحن”؟
وبما أن الشرق الأوسط معنيٌ بمسألة الهويات والإيديولوجيات، وبما أن لبنان في قلب هذا الشرق الأوسط، هل حان الوقت لنقول إن لدينا تسع عشرة طائفة، تريد أن تحتفل، كالسيد زكريا، بتسعة عشر نوعاً من الحرية؟
أم أن المشكلة التاريخية في لبنان كان سببها دائمًا سياسيًا وإيديولوجيًا: يمين يسار. غربي شرقي. سعودي إيراني. والأسخف حكومة ضد هيئة تنسيق نقابية!
زكريا الأميركي حَلَّلَ وشرَحَ واعترف بأن مسألة الهوية السياسية للمجموعات مسألة مهمة. متى سنقول: “نطق زكريا” اللبناني.
