#adsense

السيّد حسين لـ”الجمهورية”: ليتخلَّ السياسيون عن مَيلهم إلى سرقة صلاحيات “اللبنانية”

حجم الخط

“إذا كان المقصود إقفال الجامعة اللبنانية، فهذا خطر على لبنان ووحدته”. بنبرةٍ حاسمة يختصر رئيس الجامعة اللبنانية الوزير السابق عدنان السيّد حسين الطريق على كلّ مَن يحاول التمادي من خلال وضع العصيّ في دواليب الحلول والاصطياد في الماء العكِر، بعد سَيل التجاذبات التي تشهدها الجامعة. ودعا حسين في مقابلة مع “الجمهورية” السياسيّين إلى التخلّي “عن مَيلهم إلى سرقة صلاحيات الجامعة”، معتبراً “أنّ الدوَل الفاشلة وحدَها تُخضِع أساتذتها لقرارات حكومية”، مؤكّداً أنّه، “بين مطالب الأساتذة والحكومات! لا، فأنا مع الأساتذة”.

• ألا يُسيء تقاذف السياسيّين والأحزاب ملفّات الجامعة اللبنانية إلى صورتها وسمعة شهادتها؟

– بدايةً لا بدّ من التذكير بأنّ الجامعة اللبنانية مؤسّسة عامّة مستقلّة، وكغيرها من الجامعات لا تتبع لسياسيّين، كونهم لا يستطيعون إدارتها، ولا يدركون خصائص التعليم العالي. وقد حصّن القانون هذا الصرح التربوي منذ العام 1967، ومنَح رئيسه صلاحيات تكاد توازي صلاحيات الوزير، باستثناء التشريع.

من المتعارف عليه، أنّ الجامعة الوطنية في أيّ بلد هي الأقدر والأقوى، أكاديمياً، إدارياً ومالياً، وهي التي تتولّى خطة التعليم العالي في الوطن. لكنّنا في لبنان، وعلى رغم أنّ اتّفاق الطائف نصَّ على “تعزيز دور الجامعة اللبنانية”، نرى اتّساعاً في أعداد الجامعات والمعاهد الخاصة، ويتبيَّن لنا تدريجاً انقلاباً على الطائف وإضعاف “اللبنانية”. والدلائل كثيرة، ومنها:

أوّلاً: القرار الرقم 42 الصادر عام 1997 عن الحكومة والذي ألزمَ التعاقد مع أيّ أستاذ في “اللبنانية” بموافقة مجلس الوزراء. وهذا ليس انتقاصاً من صلاحيات “اللبنانية” فقط، إنّما إساءة إلى آلية العمل فيها. وبالتالي بات التفرّغ السنوي بحكم التأجيل، محكوماً بموافقة الحكومة، فإذا لم يتَّفق وزراؤها ستتكبّد الجامعة الثمن.

ثانياً: ملفّ تعيين العمَداء متوقّف منذ العام 2004، لذا مجلس الجامعة مغيّب منذ 10 أعوام، مع العِلم أنَّ مساعيَ حثيثة بُذِلت لتعيين عمَداء، وفي كلّ مرّة كانت تُخفِق نتيجة خلاف السياسيّين داخل الحكومات المتعاقبة.

ثالثاً: في قانون الموازنة اللبنانية عام 2004، أخضِعَت المؤسسات العامة بما فيها الجامعة اللبنانية إلى مجلس الخدمة المدنية، وهذا يتنافى مع قانون “اللبنانية”، فهذه الجامعة تدير بنفسها الشأنين الإداري والمالي، وقد وظّفت الجامعة بنفسها للمرّة الأخيرة عام 2000، مذّاك الحين يتَّسع الشغور.

• وسط الكباش الحاصل والتجاذبات الحادّة، أين أصبح ملفّ التفرّغ؟

– كان يجب إقرارُه في جلسة 2012/12/27 الوزارية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، إلّا أنّ رئيس الجمهورية سحبَه آنذاك بذريعة غياب مجلس الجامعة. ونتيجة غياب التوافقات الوزارية داخل الحكومة تعذّر تعيين العمداء وبالتالي تكوين مجلس الجامعة، والسيناريو ذاته يتكرَّر اليوم. ومع تسلّم الوزير الياس بو صعب وزارة التربية، بدا متحمّساً، فطلب العمل في الملفّين معاً.

من جهتي، بعد ربط الملفّين، أتصوّر أنّ الأمور تسير في اتّجاه سلبي. في القانون، يجب إنجاز التفرّغ سنوياً، من دون ربطه بأيّ قضية أخرى، وهنا نتذكّر ما حدث عام 2008 من تفريغ طاوَلَ 687 إسماً، في ظلّ غياب مجلس الجامعة.

• كيف تُبرّرون ارتفاع عدد الأساتذة في ملفّ التفرّغ من 650 إلى 1100؟

– هذه الزيادة قد تفاجئ البعض، لكن لا يغيب عن بالنا أنَّ عدد المتقاعدين ارتفع في الأعوام الخمسة الاخيرة. وانتسبَت موجة كبيرة من الأساتذة إلى “اللبنانية” بين الأعوام 1980 و1985، نتيجة التوسّع المناطقي وإنشاء الفروع، وهذا العدد ذاته من الأساتذة يتَّجه نحو التقاعد، من هنا برَز النقص الحاد.

يومَ استلمتُ رئاسة الجامعة في نهاية العام 2011، ضمَّ الملاك والتفرّغ نحو 1572 أستاذاً، لذا يمكن اليوم إقرار التفرّغ لنحو 600 أو 700 آخرين. وحتى لو تمّ تفريغ 1000 و1200 أستاذ نبقى ضمن القاعدة التي يفرضها القانون، لجهة أن تضمّ الجامعة 80 في المئة من المتفرّغين، و20 في المئة من المتعاقدين، ولكنّناً فعلياً نعيش العكس.

• هل تعلمون بكلّ الأسماء المطروحة؟

– الملفّ الفعلي الذي رفعَته الجامعة ضمّ 916 إسماً في ضوء حاجتها، ولكن أيّ إسم أضيف لاحقاً نتيجة مطالبة بعض الأساتذة بحقّهم، يمكن درسُه ضمن الجامعة التي ليست مجبَرة على توقيع عقد مع أيّ إسم غير مستوفٍ للشروط، خصوصاً أنّ الجامعة هي الأعلم بحاجاتها، ولو تركوا لنا فرصة التوصّل إلى حلّ لكانت الأمور أفضل.

أمّا إذا رفض الوزراء المضيَّ في ملف الـ 916 إسماً، أو 1100، فلنمضِ بالمشروع المُقدّم في 6 أيّار 2014 والذي يضمّ 735، لأنّه أُشبِع درساً… ولكن على ما يبدو أنّ الحكومة لا تريد شيئاً من الطروحات المعروضة. وهنا نتذكّر بيت الشعر:

“إذا ما الجهلُ خيّم في بلادٍ رأيتَ أسودَها مُسِخت قرودا”. وقد طفح كيلنا من التأجيل والتأخير والتسويف.

• هل تحوَّل التفرّغ مسألة تتعلق بمن يُحقِّق مكاسب شعبية أكثر من غيره؟

– علينا أن نُتقن المواطنة، فلا يمكن إنشاء دولة في ظلّ هذه المحاصَصة. الجامعة خط أحمر في بنيتها ونشأتها، وتستهدف الخير العام للجميع بلا امتياز. عندما نقسمها بين الطوائف وبين الزعامات السياسية، ونَقضم من حقوقها الطبيعية، كأنّ المقصود هو “سكّروا الجامعة اللبنانية”، وهذا خطر على لبنان.

نحن الجيش الثاني، فالجامعة تضمّ أكثر من 70 ألف طالب،3 آلاف موظف وأجير ومدرّب، و5 آلاف أستاذ، ونحو 80 ألف شخص وأكثر يعملون في إطار الجامعة اللبنانية. المُغرضون، يطلبون من البطريرك مار بشارة بطرس الراعي عدمَ الاهتمام بالجامعة اللبنانية، ويمدّونه بأرقام خاطئة، مردّدين على مسامعه “المسيحيّون أقلّية فيها”، والمغرضون المسلمون إمّا مع السنّة ضد الشيعة أو العكس. والنتيجة؟ تفريغ الجامعة، بعد تسرّب الطلّاب والأساتذة منها.

إهانة للأساتذة

• ألا تعتقدون أنّ في طلب السياسيين درسَ أسماء الأساتذة إساءةً للجامعة وانتقاصاً من حرّيتها؟ وهل يجوز ذلك أكاديمياً؟

– أيّ تدخّل، يسيء لصاحبه قبل أن يسيء لأهل الجامعة. المؤسف في هذا المجال أن لا أحد يمكنه إجابتنا على سؤال: “مَن يفهم في الاختصاصات الأكاديمية غير عمداء الوحدات الجامعية، ومجالس الوحدات؟”. في الجامعة اختصاصات متعدّدة، فهل يدرك الوزراء حقيقة حاجات الجامعة؟

وهنا أتوقّف عند حادثة طريفة: إتّصلَ بي أحد السياسيين يُطالب بتفريغ أستاذ، وبعد التدقيق تبيّن أنّ هذا الأستاذ يدرّس في جامعة أخرى وليس في “اللبنانية”. ما نشهده هو إجحاف بحقّ الجامعة، وإهانة للأستاذ الجامعي مادياً ومعنوياً، وإهانة للوطن وللعلم. وحدَها الدول الفاشلة تُخضع أساتذتها لقرارات حكومية، وكأنّ المسألة أشبه بتوزيع حقائب وزارية.

من كان يشعر بتعيين العمداء في الأعوام المنصرمة؟ طبعاً لا أحد، لأنّ الأمور كانت تسير في منحى أكاديمي صرف، وفق درجات وترقيات متتالية، على عكس ما نختبره، وكأنّنا أمام حصر إرث. وهنا لا أخفي خشيتي من ترشيحات العمداء السياسية، لأنّ العميد السياسي سيختار أساتذةً ذوي ميول سياسية، وفي مرحلة لاحقة سيتعاملون مع الطلّاب على أساس ميولهم، فنكون بذلك نُنمّي الروح الزبائنية المسيئة للتربية والمواطنة، من هنا لا مبالغة في تحذيرنا من خطر يُحدق بالجامعة.

• هل منحُ الرخص إلى جامعات وكلّيات جديدة يُضعف دور “اللبنانية”؟

– ليس من منطلق الدفاع عن “اللبنانية”، ولكنّ أكبر خطر على وحدة لبنان والتعليم العالي، هو إضعاف هذه الجامعة التي تمثّل 40 في المئة من طلّاب التعليم العالي. لسنا ضد جامعات خاصة تُنافسُنا، ولكن ضد إلغاء الجامعة الوطنية. لذا نأمل أن تُكمّلَ “الخاصةُ” الجامعةَ اللبنانية، أي أن تُعزّز الإختصاصات النادرة وتَبرَع في مجالات تخصّصية محددّة.

أكثر ما يحزّ في النفس، أنّ قانون التعليم العالي الجديد الذي أقرّه مجلس النواب، فرَض على الجامعات أن تبلغ نسبة المتفرّغين فيها 75 في المئة، وقد تبلّغتُ أنّ الجامعات الخاصة العريقة بدأت بالتفريغ، في حين يُمنع على “اللبنانية” القيام بأيّ خطوة، ريثما يتَّفق السياسيّون الذين فاتَهم أنّ الاستثمار في البشر أهمّ من الحجر.

• مَن يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الجامعة؟

– الحكومات المتعاقبة مباشرةً، فهي صاحبة القرارات. من جهتنا قمنا بواجباتنا على أكمل وجه. أقفلنا الجامعة يوماً كاملاً، واتُّهمتُ بمخالفة القانون. أقبلُ مخالفة القانون ليوم فقط دفاعاً عن الجامعة، فهل المطلوب أن أبقى على الحياد بين مطالب الأساتذة والحكومات! لا، فأنا مع الأساتذة.

• والحَلّ؟

– بعد التجاذبات الحاصلة، الحلول كثيرة، شرط أن يعيدوا إلى الجامعة سلطتَها واستقلاليتها وفق القانون. يمكن السير بالمشروعين، سواءٌ بالنسبة إلى التفرّغ أو لتعيين العمداء. ويمكن كذلك عدم دمج الملفّين لعدم عرقلة أيّ منهما نتيجة عرقلة الآخر، فنُحقّق أقلّه تقدُّماً في مكان ما. وفي هذا الإطار أُثني على مساعي الرئيس تمّام سلام، وأناشده ألّا يكون شاهداً على إضعاف “اللبنانية”، بل أن يستمرّ في مساعي توفير الحل، لأنّ تأجيل الحل يعني استمرار المشكلة.

التحقيق مستمر

• ما حدث في كلّية الإعلام الفرع الأوّل (محاولة أحد الطلّاب الاعتداءَ على الأستاذ المراقب)، لم يكن التمادي الأوّل الذي تشهده الكلية، وقد طفحَ كَيلُ الأساتذة من التعدّيات والفوضى المتعمَّدة من مجموعة طلّابية متمرّدة. إلى متى السكوت عن الفلتان غير المسبوق؟

– المسألة ليست على هذا النحو. الإشكالات قد تحصل أثناء المراقبة وفي كلّ الجامعات، ولا أنكر أنّ عدداً من مشاكل الشارع والمجتمع تثقل نفوسَ الطلّاب المشحونين، وهذا ما نعمل لتحسينه. التحقيق في الحادثة لم ينتهِ، بل أعطيتُ التعليمات للاستعجال ومعرفة حقيقة ما حصل، ولا بدّ من التوصّل إلى نتيجة.

صحيح أنّنا لسنا مع إضعاف شخصية الطلّاب، إنّما مع التزام القانون لا أكثر ولا أقلّ. ومن يخالف لا يجب أن يستغرب معاقبته. أوَقّع شهريّاً عقوبات ضدّ طلّاب مخالفين، والأمور غير سائبة، نحاول قدر المستطاع التصدّي لمحاولات خلق الفِتن. ومقارنةً مع حجم الجامعة، فالخلافات لا تشغل البال في الظروف الحالية، وقد سبقَ وجنَّبنا الجامعة مشكلات جمّة.

• بعد مضيّ نحو عامين و8 أشهر على ولايتكم، كيف تنظرون إلى تلك الفترة؟

– كانت مرحلة صعبة، مرحلة اللادولة، مرحلة شهدَت خَللاً في عمل المؤسسات. انتظرنا 11 شهراً لتأليف الحكومة، ونُمضي الأيام “بالتي هي أحسن”… تعرَّضتُ لضغوط من كلّ الفئات، من الداخل والخارج، (ولكن ليس من وراء البحار- ممازحاً).

• ختاماً، ما هي مشاريعكم للسنتين المتبقّيتين؟

– توحيد أهل الجامعة والدفاع عن استقلاليتها. وفي حال لم يُقرّ ملف التفرّغ، أناشدُ الأساتذة المناضلين البقاءَ في حركتِهم ومطالبتهم إلى حين إقرار الملفّ، فهذا خيارٌ لا بديلَ عنه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل