لم يعد خافياً على أحد، حتى على المغامرين المقامرين بسلامة الكيان والدولة والوطن ووجودها واستمرارها، ان لبنان يواجه في هذه الايام، وتحديداً بعد اندلاع احداث العراق والحرب على غزة، خطرين كبيرين، كل واحد اسوأ من الآخر، الاول وجود اكثر من مليون ونصف المليون نازح سوري في لبنان، مع ما يفرضه وجودهم من اعباء مالية واجتماعية وصحية وديموغرافية وامنية، لا قدرة على تحملها من بلد مثل لبنان غارق في الديون وفوضى السلاح، والمطالب الاجتماعية، وتدهور في الخدمات الاساسية، مثل الماء والكهرباء، واكثر من هذا، غارق في الفراغ القاتل والعجز السياسي والوطني، بسبب تعطيل مؤسساته الأم، مثل رئاسة الجمهورية، ومجلسي النواب والوزراء، والعمل الطبيعي الروتيني لمؤسسات الدولة الاخرى، والادارات العامة وثقل العبء على القضاء والمؤسسات الامنية، والضغوطات التي لا تنتهي عليها من المستفيدين من مال السلطان، ولكنهم لا يضربون بسيفه، والا كانوا فهموا سريعاً ما صرّح به روس ماونتن، منسق الامم المتحدة المقيم للشؤون الانسانية، بأن لبنان يواجه «خطر التفّتت» بسبب الوجود السوري على ارضه، وانه يؤيّد تماماً ما سبق واعلنه الرئيس العماد ميشال سليمان، بأن عدد النازحين السوريين في لبنان، يهدد أمن البلد واستقراره، ويخلق عندنا ازمة وجود.
اما الخطر الثاني الذي يدق ابواب لبنان من الجنوب والبقاع تتردد اصواته وصداه في كل مكان، فهو تصعيد المعارك في منطقة السلسلة الشرقية الحدودية مع سوريا، بين المعارضة السورية وحزب الله، والتخوّف من اتساع رقعة الاشتباكات باتجاه البلدات والقرى اللبنانية المجاورة، وانفجار التوتر المذهبي في تلك المنطقة، وقد يكون اطلاق عدد من الصواريخ على دفعات باتجاه المستعمرات الاسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة، جزءاً من خطة اغراق لبنان كله في حرب مذهبية سنية – شيعية انطلاقا من البقاع الشمالي، وحرب اسرائيلية ضد لبنان تكون استكمالاً لحرب تموز 2006، ثم التمهيد لها بالصواريخ التي اطلقت من جنوب لبنان، وحملت اسرائيل الدولة اللبنانية (وكأن هناك دولة) المسؤولية وتقدمت بشكوى الى مجلس الامن، وكان لافتا الخبر الذي نشرته جريدة «يديعوت احرونوت» الاسرائيلية نقلاً عن مصادر في الجيش الاسرائيلي، ان الحملة الاخيرة على غزة تمثل «مقدمة لحرب لبنان الثالثة»، وصودف نشر هذا الخبر مع دعوة الامم المتحدة لبنان الى تشديد مراقبة الاعمال التي تتنافى مع مضمون القرار 1701 الذي يشدّد في بنوده على عدم وجود سلاح ومسلحين في منطقة عمليات قوات الامم المتحدة.
***
المعيب والمخيف والمخزي في آن معاً، ان هذه الاخطار الجدية المحدقة بلبنان، والتي تهدده باستقلاله وسيادته ووجوده، تمرّ مرور الكرام في اهتمام الفريق الموغل في تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية ووعيه، ولا يتوقف لحظة بسبب الأنا الكبيرة التي تميّزه، عند الواقع الثابت، بأن الفراغ في الرئاسة الاولى، ينعكس فراغاً وشللاً وخلافات عميقة في مجلس النواب، وفي الحكومة، التي لم تتفكك بعد، إلا بسبب صبر رئيس الحكومة تمام سلام وهدوء اعصابه، وخوفه من الانهيار الكامل، وجميع نداءات البطريرك الماروني بشارة الراعي، والدول الصديقة المعنية باستقرار لبنان، واستعداد جميع الافرقاء الداخليين، باستثناء قوى 8 آذار، لتقديم كل ما هو مطلوب منهم لتسهيل عملية اجراء الانتخاب الرئاسي، تذهب صرخة في واد، امام اصرار الفريق المعطل، على ان لا رئيس جمهورية، ولا مجلس نيابي، ولا حكومة، ولا انتخابات، ولا استقرار، ولا لبنان، الا بمرشحه وبشروطه وكأن المرشحين الثلاثة الاقوياء الاخرين الذين تبنتهم بكركي، ودعتهم الى الترشح، كما رحبت بغيرهم ايضاً، ليسوا في نظر الفريق المعطل سوى كومبارس، يجب ان يدوروا في فلك البطل، مرشحهم المجهول المعلوم.