بحرارة، بحرارة حارقة صفقوا. التهبت الاكف، احتكت ببعضها البعض عشرات المرات بمعدل مرة كل ثلاث دقائق. غصّت القاعة بهم بقدر ما تتسع المساحة، وهو واحد أحد لا يقاربه انسان ولا يجاريه. وقف أمامهم تكلله الاشلاء، وجلسوا دونه فاغري الافواه، آلات شبة بشرية منزوعة الروح تبتسم بوجوه مخلوعة الملامح والاحاسيس، وهو ببسمة مصطنعة طالعة من قبور الاحياء من حوله، تحدث فيهم عن… الديمقراطية!!!
هذه مهزلة الحياة بالتأكيد! هذا لا يحصل الا في دولة عربية مماثلة، سوريا، حين يحكمها شخص مماثل، ولا نقول “رجل” مماثل، أو في قبيلة من مجاهل العالم، لم تر لم تعرف لم تبصر نور حياة أو حضارة انسان! أن يصعد “رئيس” الى منصة ويمجّد الديمقراطية، وفي رقبته أكثر من مئتي الف شهيد من أبناء بلده، ومع دوي كل تصفيق ينفجر برميل حقد فوق جسد طفل!!
مهزلة الحياة أن يصعد مسؤول ليمجّد نفسه ويقسم على الحفاظ على بلاده المفترضة، والحفاظ على ديمقراطيتها بعدما اقترع له كل أموات سوريا، الاحياء ومن هم تحت التراب، وبعدما تحوّلت صناديق الاقتراع الى رقصة خلاعة غير مسبوقة قلّ نظيرها في العالم، تمايلت فيها اسماء المقترعين عشرات المرات لكل اسم على الاقل!!!
جلس الى العبيد يحادثهم عن مصطلحات هجينة، ويخبرهم أنهم يعيشون كأرقى الدول في العالم، أي في الديمقراطية والحرية والانتخابات النزيهة! وهم يصفقون، يصفقون وتعلو وجوههم تلك البسمة البلهاء إياها.
أخبرهم عن أن “الشعب السوري واحد موحّد” وأن لا قيمة لهؤلاء “الارهابيين ولا مهابة منهم”! وأخبرهم أيضا ما لا يعرفونه حتى الآن عن أنفسهم، بأنهم “الأقدر على تعليم الخانعين في الدول العربية كيفية الاصرار والمحاربة واجراء انتخابات حرة ومواجهة الذل وعدم التبعية”!!
كان وكما والده من قبله، مرآتهم التي يرون فيها الصورة التي يحب أن يعكسها لهم في عقولهم، اذ أكتشفوا بحالهم بطولة لم يعرفوا بها مسبقا خصوصا حين وجّه تحياته لهم و”لكل مواطن سوري تحدى الارهاب والنار وتوجّه الى مركز انتخابي ليصوّت باسم الشهداء”! هم لا يعرفون انهم تحدّوا أحدا، حسبهم انهم لا يجرأون على فعل غير ذلك، والذين تجرأوا اسمهم الان “ارهابيون” حتى الاطفال منهم!!
أعجبهم التشبيه فصفقوا وبحرارة شديدة وقفز احدهم والقى فيه قصيدة مديح تقارب تلك التي كان يلقيها المتنبي بأمير المؤمنين. استمع اليها بهدوء، لم يبتسم ليبرهن انه لا يتأثر بالمديح، وعاد ليلقي فيهم كلمات تشدد على معاني الشرف، بعدما رمى وبصوت عابق بالكراهية، كل حقد الدنيا على تركيا والدول العربية الداعمة للثوار، وهددهم “ستدفعون الثمن غاليا”.
وهنا في الحديث عن الثوار، لم يتمكن من ضبط انفعالاته “أخطأت عندما اطقلت تسمية اخوان الشياطين على الاخوان المسلمين بل هم الشياطين”. سخر من الربيع المزيّف ومن العنتريات والبندريات الفارغة، وببسمة صفراء يابسة، أوحى انه متفائل في حين كان الخوف يقطر من الوجه العابق سمّا وخوفا وانكسارا، وربما ولولا بعض من حياء، أو الاصح لولا الخوف، لما كان وّجه تلك التحية لاولياء نعمته في البقاء حيا حتى الان، والبقاء “رئيسا” ولو مفترضا فوق كرسي الدماء في سوريا حتى الان، أي “حزب الله” اذ اكد انه لن ينسى وفاءهم “في الدفاع عن قضيّتنا”!!
ولما انتهى عانقته زوجته ببسمة الرضى، وخرجا مكللين بالتصفيق اياه، غصّت القاعة بالعبيد، صفّقوا بحرارة لسيّدهم، فانكسرت روح الله، روح الحرية نهج الانسان… لم يذكر كلمة لبنان لكن كل لبنان كان بين السطور، الا يكفي انه تعهّد دمارنا؟؟ هو يفعل ووجه التحية لمن يسانده…
