
… وقبل انتهاء الندوة التفت لوران فابيوس صوب انطوانيت شاهين وسألها: “كيف صارت الوالدة؟”، لم تتوقّع السؤال واستغربت كيف لوزير خارجية فرنسا أن يتذكّر شأناً خاصاً للبنانية عابرة للمسافات، “هالندوة على نيّتها حضرة الوزير” أجابت انطوانيت، واتصلت بامها التي تركتها مريضة في لبنان “كيف صرتِ ماما” فسمعت ضحكتها “أنا كتير منيحة يللا رجعي اشتقتلك”… وعادت انطوانيت شاهين من باريس لتخبر عن آخر ندواتها عن الغاء عقوبة الاعدام ووجدت ان امها صارت أفضل بكثير.

هي ندوة كالكثير من الندوات التي شاركت بها ودعيت اليها سابقاً، هي مذ اطلاقها من الاسر أصبحت رمزاً انسانياً كبيراً لانتهاك حقوق الانسان وللدفاع عنه في كل بقعة سوداء من هذا العالم. تقول انطوانيت شاهين تقول تلك الزهرة العابقة بالمحبة، تجول هناك وهنالك بحثاً عن ثغرة ايمان، بقعة محبة لتنفذ منها الى روح انسان معذّب، هي كانت معذّبة ولم تجد من يمدّها بالبلسم، حملت الجرح الشخصي وحوّلته الى مشاع للمحبة تدور به، لتخبر أن الانسان يستطيع أن يبقى انساناً، وأن يشهد للرب وللحب، ويكون في غاية السعادة والاكتفاء ولا داعي لحروب تدمّرنا بالحقد في كل الامكنة.

في ندوة “مختبر المواطنية” في باريس، تحدثت شاهين عن إلغاء عقوبة الإعدام بحضور ممثلين عن منظمات “آمنستي” وحقوق الإنسان، وبدعوة من “بيت ثقافات العالم” الفرنسي. أمام أكثر من 80 شاباً وشابة من كل الدنيا، وقفت وصرخت صرختها المدوية اياها دفاعاً عن الانسان وكرامته، تلك الصرخات الموجعة النابضة بعذاباتها، وبتجربتها المريرة مع أخيها الانسان، ما جعلها واحدة من أكثر الناشطات صراخاً في مجال حقوق الإنسان في العالم.
7 و9 تموز كُرسا لشاهين، لتقدّم شهادتها بحضور وزير خارجية فرنسا والمنظمات الانسانية العالمية، قالت الكثير، تحدثت عن معاناة والدتها يوم اعتقالها، ومعاناة العائلة والاضطهاد الذي لحق بهم، ولحظة الحكم عليها بالاعدام. ساد الصمت في القاعة، كان وقع التجربة أكبر من أن يخدشه أي ضجيج في مسامع الحاضرين، لم تكن تروي سيرتها الذاتية، بل حكاية من حكايا نضال وطن ضد وحشية الاحتلال السوري ورجالاته في لبنان.

كانت تروي سيرة مقاومة، وشعب ثائر رفض الظلم رغم سيف الجلاد الذي حزّ لاكثر من خمسة وثلاثين عاما فوق رقبته ولا يزال، روت حكاية من حكايا مقاومة مسيحية جعلتها في كلمتها مقاومة انسانية وطنية شاملة، لوطن رغم كل السواد فيه، يعرف كيف يخلق حكايات عزّ وسط كل هذه الانكسارات. هذه كانت انطوانيت شاهين، هذا ما فعلته في باريس، وتفعله في كل مطرح أو زاوية من هذا العالم تقف اليها لتروي بعضاً منها ليصبح بعضا من كلّنا.
صفّقوا كثيراً لها، تاثّروا جداً بتجربتها، تفاعلوا، أدمعوا، انتفضت قلوبهم لتفاصيل لم يتوقّعوا سماعها، عن امرأة واجهت وحوشاً بشرية حاولوا أن يجعلوا منها اماً وحشاً يشبههم، أو طعاماً سهلاً للموت شنقاً، فتمردت على الخيارين، وحده الايمان أنقذها، صلابة الانسان فيها حررتها من عبودية كانت محتّمة، فتحولت من أسيرة محكومة بالموت الى عصفور سلام يزرع البسمة والرجاء على منابر العالم تحت عنوان “هذه امرأة مناضلة من لبنان”…
