كتب أمجد اسكندر في مجلة المسيرة: قبل نحو الأسبوعين ضرب زلزال خفيف الساحل اللبناني، واقتصرت الأضرار على خوف وقلق. كأن هذا الساحل القصير لا يكفيه اتصاله بدولتين تصدّران إليه الاهتزازات السياسية منذ عقود، سوريا وإسرائيل، فجاءت جيولوجيا الطبيعة لتذكرنا بأنها ليست أرحم من الجيوسياسة!
أهل الجبال لم يشعروا بهذا الزلزال، وعادة يبقون بمنأى عن كل أنواع الزلازل، وهذا دأبهم منذ مئات السنين! ولكن ثمة من تمنى لو أن زلزال الساحل ضرب بقوة سلسلة جبال لبنان الشرقية، الى حد أن تنشق الحدود بين لبنان وسوريا وإسرائيل وتبتعد الـ10452 كيلومتر مربع نحو خمسمئة كيلومتر في عرض البحر، فتصبح هذه الدولة جزيرة محوطة بالمياه.
هذه الخمسمئة كيلومتر، لن تجعلنا نرتاح ولكن هموما من نوع جديد ستسيطر علينا، وأزمات مستجدة ستذر بقرونها. من هذه الأزمات، هل لبنان يجب أن يبقى عضوًا في جامعة الدول العربية أو يجب أن يبدأ اجراءات الإنضمام الى الاتحاد الأوروبي؟ طبعا لن ترحب المجموعة الأوروبية بهذا العضو الجديد، وستضع شروطاً قاسية، أسهلها إلغاء عقوبة الإعدام، وأصعبها تخلي “حزب الله” عن جناحه العسكري، وخضوعه لشروط تؤكد للأوروبيين أنه لم يعد “منظمة إرهابية”، وبأنه لا يريد إنشاء جمهورية إسلامية، وبأنه لم يعد تابعا لولاية الفقيه في إيران. ثمة مشكلة يجب أن نحتاط لها أيضًا. إذا الزلزال ترك مزارع شبعا معلقة بسوريا وإسرائيل، ولم تلتحق جيولوجياً بجزيرة لبنان الجديدة، ماذا نفعل؟ هل نقول ما فرقه الله لا يجمعه إنسان؟ أم نتخلى عن هذه البقعة الجغرافية لسوريا؟ إذا لجأنا الى الاستفتاء فطبعًا سيطالب أصحاب الأملاك بضم أراضيهم إلى الجزيرة الجديدة. سنكون أمام مشكلة، لكنها ليست معضلة، وسنكتشف أنها قابلة للحل ولتسوية ترضي كل الأطراف، ومن لا يُصدِّق لينتظر الزلزال ليتأكد!
مشكلة ثانية ستنشأ. انتقال لبنان الى عرض البحر الأبيض المتوسط، سيغيّر في خريطة توزيع الثروة النفطية الكامنة تحت البحر. قد تزيد حصة الجزيرة اللبنانية من مخزونها النفطي وقد تنقص، وسنلجأ الى التحكيم الدولي والى مراضاة سكان البقاع الذي أصبح شاطئاً متاخماً للمربعات النفطية الجديدة. مشكلة، لكنها ليست معضلة، من لا يصدق ليتنظر الزلزال ليتأكد.
جزيرة لبنان المتوسطية ستغيّر في التحالفات السياسية الداخلية، وقد نكون أمام سيناريو يشبه ما حصل مع شقيقتنا الصغرى جزيرة قبرص.
في قبرص مسيحيون ومسلمون، وفي السبعينات من القرن المنصرم، كان المطران مكاريوس رئيسًا لتلك الدولة، هجم الأتراك وقسَّموا الجزيرة. وحتى اليوم هناك قبرص التركية وقبرص اليونانية بالمعنى السياسي. هذا لم يمنع أن قبرص اليونانية أصبحت اليوم ملتحقة بالاتحاد الأوروبي، كذلك لم يمنع تركيا من سعيها الى الانضمام أيضًا، لأن جزءًا منها في الشطر الأوروبي، وكلها في الحلف الأطلسي. هل سيطالب مسلمو جزيرتنا اللبنانية بالانضمام الى سوريا؟ وسيستدعون الجيش السوري؟ الاحتمال ضعيف، لكنها مشكلة وأيضًا قابلة للحل. ومن لا يُصدِّق لينتظر الزلزال ليتأكد.