أبرع ما في اسلوب الرئيس نبيه بري هذه القدرة الفائقة على التمترس وراء المبادئ العامة في مواقفه السياسية المتضمنة عموميات وارشادات طوباوية – والتي اذا توقفنا عندها فقط – لكان مستحيلاً على اي كان مخالفته الرأي – كما حصل في حديثه بالامس لـ”النهار”.
فالرئيس بري محق عندما يقول ان “… كل يوم يمر يعرض لبنان لخطر محدق وكل شهر يمر يعرض لبنان لفراغ اخر …”، فنسأل الرئيس بري بالصراحة التي عهدناها فيه:
اولاً: اليس هو ايضاً مسؤولاً بنسبة كبيرة عن تعريض لبنان للخطر المحدق مع مرور الايام والاشهر؟
اليس من واجبه الوطني كرئيس لمجلس النواب ان يخوض هو معركة حسم انتخابات رئاسة الجمهورية من خلال الضغط على حليفه الاول “حزب الله” ومن ثم على حليفه اللدود العماد ميشال عون لالزامهما بخوض معركة انتخابية ولا نقول لالزامهما بقبول ترشيح الدكتور سمير جعجع ؟
ماذا ينقص الرئيس بري وهو الذي اوعز لنواب تكتله حضور كافة جلسات الانتخاب من باب رفع العتب واخلاء الطرف – ليس اكثر – ان يتخذ موقفاً وطنياً تاريخياً باجراء الانتخابات مهما كان الثمن على قاعدة ديمقراطية التصويت بعدما فشلت الديمقراطية التوافقية في ايصال رئيس للبلاد بفعل حدة الاصطفاف السياسي؟
ثانياً: صحيح تشبيهه وضع لبنان بمنزل مزنر بنيران اسواره – والسؤال يطرح: اليس هو داخل هذا المنزل؟ اولا يخاف على شعبه من الحريق؟ او انه قرر الخضوع للقضاء والقدر باصطفافه الى جانب حليفه “حزب الله” والعماد عون ولو في مقابل الانتحار الجماعي حرقا بالنار؟
اليس من واجبه الوطني والتاريخي كرئيس لمصدر السلطات ان يحافظ على المؤسسات الدستورية وعلى الحياة البرلمانية والدستور واحكامه وهو رأس سلطة الانتخاب والرقابة والمحاسبة؟
ثالثاً: صحيح ان هذا الحريق ات اذا لم يهب الجميع الى اطفائه وتداركه كما يجب، فكيف يجب ان نتداركه ان لم يكن باعادة العمل بالدستور وقواعد نظام تداول السلطات. لا بل كيف يمكن ان نتداركه ان لم يكن بالعودة الى قواعد الانتخاب ومنطق المؤسسات ؟
فهل الابقاء على الفراغ الدستوري والشلل السياسي والمؤسساتي هي الطريقة الفضلى لتدارك الحريق؟ وهل اختيار الاصطفاف الى جانب الحليف بدل الاصطفاف الى جانب مصلحة الوطن هو الضامن لهذا التدارك؟
بالامس قدم المرشح الرئاسي الدكتور سمير جعجع مبادرة هامة وايجابية وبناءة للخروج من المازق فلماذا لم يتلقفها الرئيس بري ويبني عليها مبادرة انقاذية من تحت قبة البرلمان “لتدارك” الحريق وقد وصلته مبادرة لو عمل بها لما تداركنا جميعنا هذا الحريق المحدق بداخلنا اللبناني؟
رابعاً: صحيح انه من الضروري ان يكون الوضع الراهن مسألة ايام، لأن الاستمرار في الفراغ حتى ايلول من شأنه دفع البلاد نحو الاسوأ. ونسأل الرئيس بري ماذا يفعل لمنع الوصول الى الاسوأ غير التصديق على نهج حلفائه التعطيلي وتمنعهم حتى عن اتخاذ مبادرات انقاذية لتأمين انتخاب رئيس جمهورية والالتزام بالمؤسسات الدستورية واحكام الدستور؟! وهو يكتفي باخراج ادارة للمأزق والازمة ويجتهد في ايجاد آليات ادارة ازمة نظام وحكم وثقة بين اللبنانيين، وهو المؤتمن الاول حالياً ودستورياً على اعادة هذه الثقة اقله من خلال حفظ ادوار المؤسسات وفي طليعتها مجلس النواب.
صحيحة كلها كلمات الرئيس بري وتشابيهه للوضع …
وصحيحة كلها مواقفه المبدئية التي يعلنها والتي تبقى في العموميات من دون تسمية الاشياء باشيائها مخافة فقدان موضوعية معينة يصر على الظهور بها رغم معرفتنا بحقيقة التزاماته مع حلفائه …
ولكن لدى الرئيس بري مشكلة وهي انه لم يعد بامكانه الاكتفاء امامنا وامام الرأي العام بالمواقف العمومية والمبدئية التي لا يختلف اثنان عليها بل بات الوقت وقت قرارات حاسمة بخطورة توصيفه نفسه للوضع اللبناني …
وهنا يكمن التحدي الكبير على الرئيس بري …
