بدا ان شبح التأزيم الذي هدد الحكومة بالتعطيل اسوة بمجلس النواب وسط انسداد اي أفق لنهاية قريبة لأزمة الفراغ الرئاسي أعاد ترتيب الاولويات الملحة بحيث تكثفت الاتصالات والمشاورات لتذليل العقد التي حالت دون انعقاد جلسة لمجلس الوزراء هذا الاسبوع وتوفير الاجواء التوافقية ضمانا لعودة العمل الحكومي اعتبارا من الاسبوع المقبل.
وكشفت مصادر وزارية لـ“النهار” ان الاتصالات التي أجراها امس رئيس مجلس الوزراء تمام سلام استمع خلالها الى مطالبة بإعادة تحريك العمل في المجلس من خلال معاودة جلسات الحكومة. وفي هذا الصدد قال احد الوزراء انه لا يجوز تعطيل عمل 23 وزيرا كرمى لوزير كما انه لا يجوز تعطيل جدول أعمال من أجل بند الجامعة اللبنانية، مشيرا الى ان الحكومة سبق لها ان عقدت اربع جلسات من دون جدول اعمال. في المقابل يرى الرئيس سلام كما تقول المصادر المواكبة لهذه الاتصالات، انه لا يرى ضيرا في عدم انعقاد مجلس الوزراء أسبوعا أو أكثر في انتظار ترتيب توافقات على الملفات الخلافية ومنها ملف الجامعة اللبنانية. لكن المصادر نفسها أشارت الى ان ثمة ملفات حيوية اخرى في طريقها الى الطرح ووجوب اتخاذ الخطوات الاجرائية لبتها بما يملي الاسراع في معالجة التعقيدات التي اعترضت منهجية التصويت واتخاذ القرارات في مجلس الوزراء ومن أبرزها توقيع المراسيم المتعلقة بدورة تخريج نحو 300 ضابط في عيد الجيش في الاول من آب، علما انه يستبعد ان يجرى هذه السنة حفل التخريج التقليدي للتلامذة الضباط المتخرجين نظرا الى شغور رئاسة الجمهورية. ويبدو ان هذا الامر كان محور لقاء الرئيس سلام وقائد الجيش العماد جان قهوجي امس تحضيرا للخطوات اللازمة لضمان توقيع مراسيم تخريج الضباط في ظل الواقع الحكومي السائد الذي ينيط بمجلس الوزراء وكالة صلاحيات رئاسة الجمهورية.
وتتجه الانظار الى الكلمة التي سيلقيها غروب اليوم الرئيس الحريري في الافطار المركزي لتيار “المستقبل ” في مجمع “البيال” والتي يتوقع ان تتناول الازمة الرئاسية وملفات اخرى منها عمل الحكومة ومجلس النواب. وأفادت أوساط قريبة من “المستقبل” ان كلمة الحريري ستتضمن مواقف وأفكارا بارزة في شأن توفير مخارج للازمات التي تتخبط فيها البلاد علما انها تنطلق اساسا من الالحاح على اجراء الانتخابات الرئاسية كأولوية مطلقة وأساس لأي حل. كما ان الحريري سيؤكد مضيه في سياسة الانفتاح على سائر القوى السياسية ومنها “التيار الوطني الحر” وحركة “أمل”، وسيتناول بعض الامور المهمة كرفض التطرف في الشارع السني وكل شارع آخر.
الى ذلك أجرت دوائر مجلس النواب امس اتصالات مع أعضاء المجلس والحكومة من أجل حضور جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية الاربعاء المقبل. وأوضحت مصادر وزارية لـ”النهار” ان لا معطيات تؤكد حتى الان ان الجلسة المقبلة ستكون أفضل من سابقاتها، إلا انها تدعم وجهة نظر رئيس مجلس النواب نبيه بري التي تقول انه لا يجوز الانتظار طويلا لانجاز هذا الاستحقاق.
هذا وكشفت مصادر حكومية لـ«المستقبل» أنّ المشاورات التي جرت بين رئيس مجلس الوزراء تمام سلام وقائد الجيش العماد جان قهوجي بشأن شكل الاحتفال المنوي إقامته في الفياضية في الأول من آب المقبل في ظل غياب رئيس الجمهورية خلصت إلى “عدم إقامة احتفال رسمي موسّع واختصاره بحفل مقتضب لتخريج الضباط الجدد يتولى خلاله قائد الجيش تسليمهم شهادات التخرج بدل السيوف التي درجت العادة أن يقوم رئيس الجمهورية بتسليمهم إياها بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة”، لافتةً في هذا السياق إلى أنّ “الرئيس سلام أبى ترؤس الاحتفال وكالةً عن رئيس الجمهورية إحتراماً منه لموقع الرئاسة الأولى ورمزيتها”.
وفي الغضون، يواصل سلام مشاوراته واتصالاته في سبيل إعادة تصويب بوصلة العمل الحكومي نحو آلية التوافق التي تم الاتفاق عليها في زمن الشغور الرئاسي، وسط حرص أوساط رئيس الحكومة على التأكيد لـ«المستقبل» أنه «ليس شريكاً في التعطيل من خلال عزوفه عن الدعوة إلى انعقاد مجلس الوزراء، إنما هو أراد من وراء هذا القرار إحداث صدمة تتيح إعادة الانتاجية في مجلس الوزراء»، مشيرةً في هذا الإطار إلى أنّه «لمس نوايا إيجابية من كل الأطراف المشاركة في الحكومة إلا أنه لا يزال يترقب تبلغه حصول التوافق على ملفات محددة مدرجة على جدول الأعمال مثل ملف الجامعة اللبنانية لكي يدعو مجلس الوزراء إلى الانعقاد».
وفي سياق متقاطع، أوضح زوار سلام لـ«المستقبل» أنه تناول أمامهم «بعض الالتباسات والتفسيرات التي دارت في فلك قراره عدم الدعوة لانعقاد مجلس الوزراء»، ونقلوا عنه قوله: «عندما قلتُ إنني متمسك باعتماد آلية التوافق في عمل الحكومة عنيتُ بذلك المسائل والقرارات الميثاقية وليس أموراً تفصيلية كالتعيينات البسيطة في الوزارات والإدارات. وعندما قررتُ توزيع جدول أعمال الجلسات قبل 72 ساعة من انعقادها حرصاً مني على التوافق لم أكن بذلك أتنازل عن حقي بوضع جداول الأعمال، لافتاً الانتباه في هذا المجال إلى كون التوافق وتجنّب البنود الخلافية في مجلس الوزراء لا يلغي حق التصويت داخل المجلس على أي بند مدرج على جدول الأعمال ولا يتم التوافق عليه»، مع إشارته في الوقت عينه إلى أنّ «البعض فهم خطأً مسألة ضرورة توقيع الـ24 وزيراً على قرارات مجلس الوزراء بدليل الاكتفاء بتواقيع من حضر من الوزراء على قرارات الجلسات السابقة في ظل غياب عدد منهم عن هذه الجلسات».
وإذ أشاروا إلى أنهم لمسوا من سلام «إستعداده لدعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد الأسبوع المقبل تحت طائلة إرجاء البحث في البنود الخلافية ما لم يتم التوصل إلى توافق بشأنها»، لفت الزوار إلى أنّ «رئيس الحكومة سمع تأكيدات من كل الأطراف المعنية بعدم وجود أي نية لتعطيل العمل الحكومي»، وكشفوا في هذا السياق أنه تلقى أمس «اتصالاً مطوّلاً من وزير الخارجية جبران باسيل أكد له خلاله أنّ تكتل «التغيير والإصلاح» حريص على إنتاجية مجلس الوزراء ولا يرغب في تعطيل عمله».
وفي سياق آخر، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ «الجمهورية»، ردّاً على سؤال: هل من رائحة للتمديد للمجلس؟: «تبدأ الرائحة بالتصاعد إذا تخطّينا منتصف آب ولم ننتخب رئيس جمهورية، ويصبح التمديد عندئذٍ وارداً، لأنّ البعض، خصوصاً تيار «المستقبل»، يتبجّح بأنّ بدءَ مهلة الانتخابات وإجراءَها من دون انتخاب رئيس سيؤدّيان الى استقالة الحكومة، وعندئذٍ مَن يجري الاستشارات الملزمة لتكليف شخصية تأليف حكومة جديدة؟. ولذلك يجب انتخاب الرئيس من الآن وحتى شهر آب».
وأكّد برّي «أنّ الاوضاع الامنية السائدة الآن تسمح بإجراء الانتخابات، إلّا إذا حصل تطوّر أمني كبير، خصوصاً أنّ الدوائر المعنية تستعدّ لهذه الانتخابات»، وقال: «إنّ عدم التحوّط لإجراء الانتخابات سيجعل البلاد في فراغ فوق فراغ، لا رئيس جمهورية ولا حكومة ولا مجلس نيابياً».
وعلى الخط الحكومي، واصلَ رئيس الحكومة تمام سلام أمس لقاءاته مع الوزراء، كلّ على حِدة، مستكشفاً الأجواء تمهيداً لدعوتهم الى جلسة لمجلس الوزراء، لا يريدها أن تنعقد قبل التفاهم على أسُس جديدة للنقاش فيها، تمنع تجميد أعمال المجلس متى وقع خلاف بين أيّ وزير وآخر، ما دام شرط التوافق متحكّماً بمصير المواضيع المطروحة على جدول أعمال مجلس الوزراء. وقالت مصادر مُطّلعة لـ»الجمهورية» إنّ سلام بدا يستطلع الأجواء سعياً إلى ترتيب جديد لعمل المجلس ينهي العمل بمبدأ التفاهم الشامل والكامل الذي يمكن أن يكون مستحيلاً في بعض الحالات غير الأساسية، بحيث يمكنه هو أو أيّ من الوزراء الدعوة الى التصويت على أيّ قرار يمكن ان يكون مطلوباً من المجلس، على أن يبقى موضوع الإجماع متصلاً بالقضايا الميثاقية والقرارات الكبرى التي لا يمكن إحالتها على التصويت طالما إنّ أيّ موقف رافض لها قد يسيء الى الميثاقية اللبنانية.