مصارحة حول “شبه مزرعة” الجامعة اللبنانية

 

تعاني الجامعة اللبنانية في المرحلة الحالية، ازمة عميقة ناجمة عن اسباب تعود الى قصور السياسات الرسمية في مجال التعليم العالي من جهة، والى اخطاء فادحة ترتكبها ادارة الجامعة وتحديداً رئيسها عدنان السيد حسين، من جهة أخرى.

منذ العام 2004 يمتنع المسؤولون عن تعيين عمداء أصيلين لأسباب ظاهرة تعود إلى الصراع على حصص القوى السياسية في هذا المجال، وإلى سبب حقيقي وغير ظاهر وهو استئثار فئات طائفية وحزبية معينة بمفاصل القرار في الجامعة، محوّلة إياها شبه مزرعة لها تمارس فيها كل أشكال السيطرة والاستغلال: في التعيينات الإدارية، في منح التخصص إلى الخارج، في المناقصات، في توزيع الأبحاث، في التعاقد وغيرها الكثير.
هذه الفئات بعينها تعارض إعادة إحياء مجلس الجامعة لأنها ترفض القيادة الجماعية الأكاديمية المستقلة لأنها تحدّ من سيطرتها.
ومنذ العام 2008 لم يبادر المسؤولون إلى القيام بتفريغ الأساتذة الذين يتمتعون بالشروط الأكاديمية والقانونية، الأمر الذي أدى إلى هجرة أصحاب الكفاءات من جهة وإلى تفاقم الظلم والإذلال للأساتذة المتعاقدين بالساعة (بما يسمى بدعة المصالحة) على نحو لم يعرف تاريخ الجامعة مثيلاً له منذ نشأتها.

أولاً: المرتكزات القانونية لآلية التفرّغ:
1 – تنصّ المادة 5 من القانون 70/6 (قانون تنظيم عمل الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية) على أنه يجب ألا تنقص ساعات التدريس الموكلة إلى أفراد الهيئة التعليمية المتفرغين من متعاقدين متفرغين وداخلين في الملاك عن ثمانين في المئة من جميع مؤسسات التدريس المقرر في مختلف فروع الجامعة.
2 – تنصّ المادة 9 من القانون 2009/66، ولا سيما الفقرة 3 منه على: “تتناول مهام مجلس الوحدة: … اقتراح عقود التفرغ والترشيحات للتعيين بناء على توصيات مجالس الفروع أو الاقسام في الكليات التي لا فروع لها وذلك وفقاً للآلية المنصوص عليه بالمرسوم رقم 9084 تاريخ 2002/11/13…
3 – وكذلك تنصّ المادة 11 من القانون السابق الفقرة 9 ان “من مهام مجلس الفرع تحديد حاجات الفروع من أفراد الهيئة التعليمية للدخول إلى الملاك، أو التعاقد بالتفرغ، أو التعاقد بالساعة”.
4 – وتنص المادة 12 من القانون نفسه: من مهام مجلس القسم …. الفقرة 4: تحديد حاجات القسم من أفراد الهيئة التعليمية.
5 – تنص المادة 3 من الشرعة العالمية للتعليم العالي – وقد وقّع عليها لبنان عام 1998 – “ينبغي أن يستند القبول في التعليم العالي إلى معايير الكفاءة، والقدرة والمثابرة والمواظبة والتفاني لدى من يريدون الالتحاق به”.
6 – تنص الفقرة 46 من التوصية بشأن أوضاع هيئات التدريس في التعليم العالي (وقد وقّع عليها لبنان عام 1997): “ينبغي ضمان الأمن الوظيفي في المهنة بما في ذلك اجراء التثبيت في الخدمة… باعتباره عاملاً أساسياً يصون مصالح التعليم العالي ومصالح هيئات التدريس في التعليم العالي”.
7 – وتنصّ الفقرة 63 من التوصيات السابقة: “ينبغي أن تُهيأ لاعضاء هيئة التدريس في التعليم العالي بيئة عمل لا يكون لها وقع سلبي أو تأثير على صحتهم وأمنهم وينبغي أن تكفل لهم الحماية في إطار ترتيبات الضمان الاجتماعي، بما فيها الترتيبات المتعلقة بالمرض والعجز واستحقاق المعاش التقاعدي، والترتيبات الخاصة بالحماية الصحية والأمان ضد جميع الأخطار…”.
8 – وتنصّ المادة 8 من توصية الأونيسكو (1966) بشأن المدرّسين: ينبغي أن تتوافر للمدرّسين ظروف عمل تساعد على تحقيق اكبر قدر من فاعلية التعليم، وتتيح للمدرّسين التفرّغ كلياً لمهامهم المهنية”.
9 – قرر مجلس الوزراء في 2008/5/5، (الفقرة 6)، “الطلب إلى وزير التربية والتعليم العالي تكليف الجامعة اللبنانية وخلال مهلة شهر على الأكثر من تاريخ هذا القرار، وضع آلية متكاملة لكيفية التعاقد بالتفرغ والتعاقد بالساعة والاستعانة بالمدرّبين والمساعدين وسواهم…”.

ثانياً: ما هي المساوئ الناجمة عن عدم التفرّغ؟
1 – لا أجر منتظم للأساتذة المتعاقدين بالساعة فالبعض ينتظر سنة والبعض ينتظر ثلاث سنوات ليقبض مبالغ زهيدة لا تسمح للأستاذ الجامعي العيش بحد أدنى من الكرامة. هذا الوضع يؤدي بغالبية الأساتذة المتفوّقين إلى ترك الجامعة اللبنانية والالتحاق بجامعات خاصة أو الهجرة إلى الخارج.
2 – لا ضمانات صحية أو اجتماعية للأساتذة وهذا مناقض ليس فقط للشرع العالمي للتعليم العالي وإنما لقانون العمل اللبناني أيضاً.
3 – بسبب الحاجات المعيشية الضاغطة يضطر معظم الأساتذة للتعليم أو العمل في أكثر من مؤسسة الأمر الذي ينعكس سلباً على تحضير الأساتذة لمحاضراتهم.
4 – بسبب عدم الاستقرار الوظيفي لا يخصص معظم الأساتذة المتعاقدين الوقت اللازم للأبحاث.
5 – لا يشارك المتعاقدون بالساعة زملاءهم في الاقسام والفروع والوحدات، وهذا مناقض لمبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور اللبناني في المادة 12.
6 – لا يحق للمتعاقدين بالساعة ان ينتسبوا الى صندوق التعاضد او الى رابطة الاساتذة، وتالياً فهم يمنعون من الاستفادة من مكاسب هاتين المؤسستين.
7 – ثمة أكثر من علامة استفهام حول امكانية ضم سنوات المصالحة الى سنوات الخدمة عند التقاعد.
8 – هذا الوضع غير المستقر للمتعاقد قد يؤثر حتماً على حرياته الأكاديمية والنقابية، وعليه فهو يجبر على مراعاة خواطر المدير ورئيس القسم والعميد لنيل الرضى.
ان اخطر النتائج الناجمة عن عدم التفرغ هي هجرة الادمغة من الجامعة اللبنانية الى الجامعات الخاصة او الى الخارج.

ثالثا: ما هي الاخطاء التي ارتكبها رئيس الجامعة في اعداد هذا الملف؟
يتكلم رئيس الجامعة عن استقلالية الجامعة. والحقيقة ان الاستقلالية ترتبط بجملة من الحقوق والواجبات، مع الشعور بالمسؤولية التامة تجاه المجتمع، كل المجتمع، وقبول الخضوع لمساءلته. وان التسيير الذاتي والادارة الجامعية والقيادة الاكاديمية المناسبة تعد من العناصر الاساسية لتمتع مؤسسات التعليم العالي باستقلال ذاتي حقيقي.
وهدف الاستقلال الاكاديمي الاول هو ضمان الجودة وحماية المؤسسة من أي تدخلات تتعارض مع رسالتها الاكاديمية.
وواقع الجامعة اللبنانية انها تدار من رئيس يُوجَّه، في تفاصيل القرارات، من قبل حركة امل و”حزب الله”.
رئيس الجامعة يقترح عميدا مشكوكاً في رتبته الاكاديمية، ويقترح شخصية علمية لعضوية مجلس الجامعة استاذا لم يؤلف اطروحته بل أُلِّفت له، ولم يكتب في حياته بحثاً اكاديمياً. ويقترح عميداً آخر لا تزيد سنوات خدمته عن سنة ونصف تقريباً.
ورئيس الجامعة خالف القانون 2009/66:
فلم ينفذ المادة 9 (مجلس الوحدة يوصي باسماء الاساتذة للتفرغ).
ولا المادة 11 (مجلس الفرع…)
ولا المادة 12 (… ثم مجلس القسم يدرس الحاجات ويقترح الاسماء).
لم يرفق رئيس الجامعة بالاسماء التي اقترحها توصيات مجالس الاقسام والفروع والوحدات.
ووزير الوصاية الذي كان يجيب ان يطالب بهذه التوصيات اضاف الى أسماء رئيس الجامعة اسماء اخرى بناء على تدخل الاطراف والقوى السياسية.
لم يتم تبيان الشواغر في الاقسام، ولم يرفق الملف بتقويم اداء المقترحين من قبل زملائهم وطلابهم.
ولم يتم التأكد من تطبيق المرسوم 9084 (أي خضوع المرشح للجان العلمية في الكليات).
ولم يطبق رئيس الجامعة قرار مجلس الوزراء في 2008/5/5 (الفقرة 6) وهو المتعلق بوضع آلية متكاملة لكيفية التعاقد بالتفرغ.
كما ان رئيس الجامعة لم يرسل الى الكليات المعايير التي يجب اتباعها لاقتراع تفرغ الاساتذة. وقد قام رئيس الجامعة، وتالياً وزير التربية، بفتح بازار سياسي لارضاء مختلف الاطراف السياسية وقبول لوائحها من الاساتذة دون الانطلاق من محاضر مجالس الاقسام والفروع والوحدات كما ينص القانون.
وهكذا فرئيس الجامعة يقول انه ارسل 734 اسماً الى الوزير، والوزير يقول انه استلم من رئيس الجامعة 960 اسماً، واللائحة وصلت كما قيل الى 1200 استاذ مقترح للتفرغ. خطأ رئيس الجامعة والوزير اللذين يشكلان معاً مجلس الجامعة انهما لم ينفذا القانون 66 ولم يرتكزا في عملهما على محاضر اجتماعات الاقسام والفروع والوحدات، بقدر ما كان ارتكازهما عل لوائح الاحزاب والقوى المختلفة. وهكذا يكون رئيس الجامعة هو المسؤول عن ضرب استقلالية الجامعة في المقام الاول.

المصدر:
النهار

خبر عاجل