
لم يحجب الصدى القويّ للمعارك القاسية الدائرة بين مقاتلي “حزب الله” ومسلّحي المعارضة السورية في منطقة القلمون المتاخمة لعرسال اللبنانية، او الاصداء الخطرة لـ”الرسائل الصاروخية” من جنوب لبنان في اتجاه شمال اسرائيل، الضوضاء السياسية المتعاظمة في بيروت على وقع الفوضى الدستورية الناجمة عن الفراغ في رئاسة الجمهورية وجعل السلطتين التنفيذية والتشريعية رهينة لعبة تعطيل متبادلة بين اطراف الصراع لحسابات بعضها داخلي وبعضها الآخر يشكل امتداداً للصراع المتأجج في المنطقة.
ووسط تضارب المعلومات حول السياق الميداني لمعركة القلمون الثانية بين “حزب الله” والمعارضة السورية، فان التقارير تجمع على ضراوة المواجهة الناجمة في جانب مهم منها عن التضاريس الوعرة للمنطقة، وعلى الاكلاف البشرية المرتفعة التي تصيب الطرفين، وصعوبة حسمها وتوقع تحولها حرب استنزاف باهظة الاثمان، خصوصاً لـ “حزب الله” الذي يقاتل على ارض غيره، وهو الامر الذي بدت مؤشراته في بيانات النعي شبه اليومية لمقاتلين سقطوا على جبهات المقلب السوري من الحدود الشرقية مع لبنان.
وتأخذ “إندفاعة النار” الجديدة في المنطقة الممتدة من جرود بعلبك الى جرود عرسال، طابعاً اكثر خطورة لاقترابها من “الحساسية اللبنانية” المتمثلة بـ “المكانة” التي تحتلها بلدة عرسال اللبنانية من ملعب المواجهة الدائرة في جرودها. فعرسال تحوّلت ملجأً لعشرات الالاف من النازحين السوريين، وهي شكلت منذ اندلاع الثورة السورية منطقة تأييد لها.
وبدت “14 آذار” متوجسة من تطاير شظايا المعركة المتجددة التي ينخرط فيها “حزب الله” في اتجاه الداخل اللبناني من جهة ومن محاولة الحزب تحويل مشاركته في الحكومة جنباً الى جنب مع “تيار المستقبل” كغطاء لقتاله في سورية، الامر الذي دفع “14 آذار” لاستعادة خطاب “ربط النزاع” مع الحزب في الحكومة.
ورغم ان “قرقعة السلاح” على الحدود الشرقية كانت الاكثر صدى، فان محاولة تحريك الحدود الجنوبية عبر الصواريخ المتفلته بذريعة “التضامن مع غزة” اخذ بعداً مقلقاً في الايام الاخيرة نتيجة المخاوف من بلوغ التطورات هناك مستويات تخرج عن السيطرة
هذا الزنار من النار لم يحل دون استفحال المعارك السياسية في الداخل في ظل استبعاد اي مفاجآت في جلسة الانتخاب الرئاسية الجديدة في 23 الجاري، والتي تهدد بانزلاق لبنان نحو المزيد من الشلل المؤسساتي، لا سيما مع استعمال “اسلحة محرمة” في الصراع بين اللاعبين اللبنانيين، كاحتمال عدم دفع الرواتب لاكثر من 150 الف موظف حكومي عشية عيد الفطر المبارك، الامر الذي من شأنه تعميق التخبط السياسي – المالي في البلاد.
وبدا “الكباش” على أشدّه بين فريق 14 آذار و رئيس مجلس النواب نبيه بري على خلفية التباين حول جدول اعمال الجلسة التشريعية للبرلمان وهي القضية التي باتت تشكل في جانب منها امتداداً لفرملة عمل الحكومة الرئاسية وسط المعادلة المرتسمة تحت عنوان: “لا تسهيل للتشريع في البرلمان = لا تفعيل لعمل الحكومة”.
واذا كان ملف الجامعة اللبنانية شكّل “العصا” الذي وُضع في “دواليب” العمل الحكومي حيث تولى وزير التربية الياس بو صعب تظهير معادلة: لا بتّ لملف العمداء والتفريغ معاً = لا تعيينات في اي مواقع اخرى ولا جلسات، فقد بدا واضحاً ان الرئيس بري وفريق 8 آذار يمارسان لعبة “حافة الهاوية” في اطار الضغط لتمرير صيغة إنفاق قانونية في مجلس النواب لعملية صرف رواتب موظفي القطاع العام ترفضها 14 آذار باعتبار انها تتضمّن في جانب منها تمريراً لأرقام من ضمن سلسلة الرتب والرواتب التي لم يجر الاتفاق على آلية تمويلها كاملة بعد، كما تنطوي في جانب آخر بحسب هذه القوى على محاولة لوضع شبهة قانونية حول كل الآلية التي اعتُمدت منذ العام 2006 لصرف الرواتب والاضافات التي طرأت عليها وفق سلف خزينة.