حريص هو الرئيس سعد الحريري على الموقع الماروني الأول في الجمهورية اللبنانية.. فقد جرّب كل الوسائل لإقناع الأفرقاء اللبنانيين الغائبين عن المجلس بضرورة الحضور لانتخاب رئيس. بالحوار والانفتاح والتواصل وسياسة الخطابات والزيارات.. لم يترك وسيلة كما لم يقطع الحريري اليوم أياً من تلك الخيوط التي أبقاها ممدودة على أمل أن ينعكس ذلك قناعة عند المعرقلين في أنه لا بدّ من الحفاظ على الموقع الرئاسي المسيحي الوحيد في الشرق.
جال الحريري على كل الموضيع المحلية الإقليمية، لكنّه جزّأ الموضوع الرئاسي وجعله في سلّم أولوياته، ليؤكّد بأن الأوان لم يفت بعد لاختيار رئيس علّه يقدّم الملفّ الرئاسي خطوة الى الأمام، ومن خلال تفاعل الطرف المعني بذلك. بدّد الحريري الكثير من الأوهام، وأثنى على وحدة 14 آذار، منطلقاً من اعتبار أن انتخاب الرئيس يعود القرار فيه الى الموارنة، وذلك لم يمنعه من محاورة كل الأفرقاء اختصاراً للطريق، ولتوفير ما أمكن من هواجس اللبنانيين.
كانت رسائل الحريري واضحة، ألقت الضوء على الكثير من المسائل التي تمّ تفسيرها بعكس أهدافها، وقد تأنّى في شرحها ووضعها على السكة الصحيحة حيث يجب أن تكون. لا شكّ بأن كلام الرئيس الحريري سيشغل الرأي العام والكتل النيابية في محاولة لتفسير مقاصده، وكلّ منها تحاول مطابقة تصريحه تبعاً للعلاقة التي تربطها بـ«المستقبل».. فماذا عنى الرئيس الحريري بخطابه وما هي الخطوات التطبيقية؟
أندراوس: ردّ على كل الشائعات
«الرئيس الحريري أوضح الأمور»، يقول نائبه انطوان أندراوس. ويشرح «لقد أشاع «التيار الوطني الحرّ» بأنه بانتظار الرئيس الحريري ليوافق على عون رئيساً، وكان خطاب الحريري واضحاً لناحية أنه أراد أن يتّفق المسيحيون على مرشّح، وبأن «المستقبل» يساعد في القرار ولا يقرر عن المسيحيين». واعتبر أن ذلك «هو ردّ غير مباشر على كل الشائعات التي اعتبرت بأن الحريري سيأتي برئيس». وأشار أندراوس الى أن «الحريري وضع في الخانة ذاتها تطرّف «حزب الله» وكل جماعات التطرّف في المنطقة». وأكّد على أن «الحريري لم يقفل باب التواصل مع الكتل والأحزاب». هل خطاب الحريري خيّب آمال البعض؟ يجيب «لا أعلم، لكنني شخصياً كنتُ واضحاً دوماً عندما كنت أقول بأن الرئيس الحريري لا يقرر في الموضوع الرئاسي، لكن يبدو بأن هناك من كان يريد أن يزرع الخلافات بين قوى 14 آذار موحياً بأن القرار عند الرئيس سعد الحريري، ولم يكن كذلك مرة».
معلوف: الأولوية للرئاسة
يرى عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب جوزيف معلوف بأن «الأولويات التي طرحها الرئيس الحريري تتلاقى مع الأولويات التي طرحها حزب «القوات» بما فيها الجدولة الزمنية، ونحن مصرّون على أن الأولوية هي للرئاسة أولاً، حيث لا يمكن للاستحقاقات المقبلة أن تكون عملية ودستورية من دون وجود رئيس في سدّة الرئاسة». وعن الخطوات الآيلة الى تطبيق هذه الأولويات المشتركة، يتمنّى المعلوف «لو كان بإمكاننا أن نقرر عن الأحزاب التي تتغيّب عن مجلس النواب، ولكن لقد بات واضحاً أن ما تقوم به هذه الأحزاب هو لإحداث خلل في جميع المؤسسات في البلد، وينعكس بآثاره السلبية على الاستقرار الأمني والاجتماعي». وأمل في أن «تطبّق الأحزاب الغائبة الدستور بروحيته ونصّه، وروحيته الأساسية تكمن في مقدّمته حيث تقع علينا مسؤولية حماية الوطن والمواطن، وتأمين العيش الكريم مع احترام الصيغة اللبنانية». واعتبر المعلوف أن «تصرّفات تلك الأحزاب لا تمت بصلة الى روح الدستور، وهي تتهرّب من مسؤوليتها الوطنية بعدم الحضور، ومن مسؤليتها القانونية والدستورية».
كنعان: لم يقطع الخيط
من جهته، اعتبر عضو تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ابراهيم كنعان بأن «خطاب الحريري لم يقطع خيوط التواصل، وهو يؤكّد على بعض الثوابت التي كانت أساساً مضمون التواصل القائم بيننا وبينه». هل قال الحريري هذا الكلام في خطابه بانتظار ردّة فعل معيّنة؟ يجيب كنعان «لا أعلم، لا يمكنني قراءة أبعاد الخطاب وأنا لم اطّلع عليه كاملا بتمعّن، وكنت في الليلة ذاتها أشارك في عشاء لـ«التيار» وقد ألقيت كلمة، ولم يبقَ لي متّسع من الوقت لأقرأ التفاصيل، ما فهمته بخطوطه العريضة بأنه يؤكّد على بعض الثوابت التي كان جوهر تواصلنا معه». أي أن شيئاً لم يتغيّر؟ يردّ كنعان: «لا يمكن أن أقول ذلك، كل ما يمكنني قوله هناك تأكيد على تلك المبادئ، وفي الوقت عينه إن موضوع الرئاسة هو موضوع يعني الطائفة المارونية، كما قال في خطابه، وبرأينا، هذا موقف طبيعي، ولا يمكن اعتباره جديداً.. ولكن في الوقت عينه، هذا الموضوع بحاجة الى متابعة لأن المسيحيين وحدهم من يطبّقونه ديموقراطياً من خلال إرادتهم، للوصول من خلال قرارهم وتمثيلهم للمواقع الأساسية في البلد أكانت سياسية أو نيابية أو وزارية، ونحن نرى بأن المتابعة لترجمة هذه المبادئ تكون من خلال الوقوف عند إرادة المسيحيين». هل تقصد في مجلس النواب؟ يجيب: «إرادة النواب ومن يمثّلهم.. ممكن أن يكون مجلس النواب، أما إذا عجز عن تشريع هذه الإرادة كما يحصل منذ عشرين سنة وحتى اليوم على مستوى الرئاسة، حينها يمكن أن يكون ذلك من خلال الشعب مباشرة كما طرح العماد عون، أو من خلال النواب إذا ما توافقت الكتل الكبيرة». ويشير كنعان الى أن «الأهم من الوسيلة هو احترام إرادة المسيحيين، ونحن نؤكّد مع الرئيس الحريري على أهمية هذا الموقع وسائر المواقع حيث يجب أن يتمثّل المسيحيون». ويسأل «كيف نترجم هذا التمثيل؟» ويجيب «ديموقراطياً».
الهبر: يحافظ على لبنان
من ناحيته، اعتبر عضو كتلة «الكتائب اللبنانية» النائب فادي الهبر بأن «الرئيس الحريري بخطابه أعلن حفاظه على لبنان وعلى حضوره ونكهته وخصوصيته، من خلال المناصفة وعدم تعطيل انتخاب الرئاسة وإنقاذ لبنان من الشغور في موقع الرئاسة». وماذا عن التفاعل مع خطابه؟ يقول الهبر «إن الاستمرار في التعطيل هو بمثابة خيانة وطنية، وهذا التوصيف هو لسيد بكركي». وتابع «الكتل النيابية تتلكأ في حضور جلسات انتخاب الرئيس، كائناً من كان هذا الرئيس، ما يهمّنا أننا نريد على الأقل أن ينتخبه نواب لبنان، أما وضع الشروط فهو تهويل في التعاطي الديكتاتوري مع هذا الاستحقاق، وقد رأينا ذلك عند «الداعشيين» في الموصل في العراق ومع النظام السوري، وفي لبنان هذا ينعكس على حياة المسيحيين وقلقهم وخوفهم من المصير والمستقبل».