تدخل البلاد في الأسبوع الأخير من شهر رمضان الكريم، على وقع التلويح بعدم دفع الرواتب والأجور لموظفي القطاع العام، مع ما يعززه من أخذ وردّ حول حاجته إلى قانون من جهة وعدمها من جهة أخرى.
أما المخارج المطروحة لتجنيب البلاد خضّة اجتماعية في غنى عنها، فكثيرة، منها دفع الرواتب بقرار صادر عن مجلس الوزراء، وآخر يقضي بتوقيع وزير المال بالوكالة ألان حكيم على قرار الصرف لكون الأموال متوفرة، لكن هذا الموضوع لم يُطرح رسمياً بعد.
الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة أبدى تخوّفه على “الإستقرار الإجتماعي والأمني والسياسي في البلد” إذا لم تسدّد الدولة رواتب موظفي القطاع العام، واصفاً الوضع بـ”الخطير” واضعاً التجاذب في هذا الموضوع في خانة “اللعب بالنار وخصوصاً من قبل وزير المال”، وأمل في أن يُحل هذا الموضوع الأسبوع المقبل (الحالي)، قبل حلول عيد الفطر السعيد “خصوصاً أن الأموال موجودة في حساب الدولة في مصرف لبنان”. وإذ أكد أن “لا ضرورة لإقرار قانون في مجلس النواب للسماح بعملية صرف الرواتب”، واقترح أن “يجد وزير المال الأصيل المخرج المناسب لدفع الأجور، وإما ينسحب فترة 24 ساعة إذا تمنّع عن التوقيع، إفساحاً في المجال ليقوم الوزير بالوكالة بهذه المهمة، وإذا تمنّع الأول عن ذلك أيضاً وتمسك بموقفه، فيصبح الوضع أخطر”.
وشدد حبيقة في حديث إلى “الشرق” على أن “لا سبب إطلاقاً يؤخر في دفع أجور موظفي القطاع العام نهاية الشهر الجاري، وقال: لا” يمكن القول لأعضاء السلك العسكري “لا أجور هذا الشهر”، هذا جنون! فرواتبهم لا تكفي أصلاً مصاريف الشهر بكامله. الموضوع لا يتطلب قوانين جديدة التي تتوجّب عندما تطرأ مصاريف جديدة، وعلى سبيل المثال سلسلة الرتب والرواتب يلزمها إقرار قانون. لكن الأجور العادية التي تسدّدها وزارة المال منذ سنوات عدة، لا يتطلب دفعها للموظفين قانوناً، إنما انطلاقاً من مبدأ استمرارية الدولة والمؤسسات”.
وإذ أبدى تخوّفه من أن “يدفع المتشبث بعدم الدفع ثمن قراره”، قال: “إن دفع الأجور يدخل ضمن نطاق حماية السلم الأهلي والإجتماعي في لبنان. فالدستور هو مظلة تحمي السلم الإجتماعي وتحدد قواعد اللعبة ضمن البلد. من هنا، لا يوجد دستور في العالم ينص على عدم سداد رواتب الموظفين نهاية الشهر، ومَن يتصرف وفق معادلة “إن لم تكبر لن تصغر” أي عبر السعي إلى تأزيم الوضع وإخافة الناس لإيجاد حل، فيكون كمن “يلعب في النار” وهذه المعادلة لن تمرّ في الظرف الراهن في ظل الوضع القائم في المنطقة”.
وأضاف: “إن دفع الأجور ينطلق من مبدأ حماية السلم الأهلي والإجتماعي وهو دستوري 100 في المئة. لكن إذا بقي العناد الحالي قائماً ولم تُدفع الأجور فسندخل في مشكلات ليست إقتصادية فحسب، إنما اجتماعية وأمنية وسياسية. إذ لا يمكن عدم سداد أجور 200 ألف موظف من جيش وقوى أمن…إلخ، والبحث عن قانون كآلية لصرفها. هذا الوضع خطير، وآمل في أن يُحل الأسبوع المقبل (الحالي)، قبل عيد الفطر “وخصوصاً أن الأموال موجودة في حساب الدولة في مصرف لبنان، من هنا أتخوّف من تصعيد العناد في هذا الموضوع”. ولفت إلى أن “لبنان لا ينقصه تخمة المشكلات التي يواجهها، فهل نوقعه في مشكلة إضافية ليست في وقتها؟!”، لذلك رأى أن “من الأهمية بمكان تعطيل أسباب المشكلة لإحداث فجوة انفراج في جدار الجمود الإقتصادي في البلد”.
وفي المقلب الآخر من الساحة الإقتصادية المعيشية، لا يزال موضوع سلسلة الرتب والرواتب يتصدّر واجهة الإهتمامات، إذ شدد حبيقة في هذا السياق، على أن “السلسلة حق لموظفي القطاع العام الذين عانوا من الغبن لسنوات طويلة، ومشروع السلسلة موضع التداول تبلغ قيمته ملياراً و600 مليون دولار، حيث تم سداد نصفها في إطار غلاء المعيشة وغيرها، والمبلغ المتبقي 800 و900 مليون دولار ليس بالرقم المهم في حدّ ذاته، إضافة إلى أنه في حال دُفعت السلسلة ستتحرك الأسواق الداخلية بفعل تحسّن القدرة الشرائية لدى المواطنين، وينفرج بالتالي الجوّ العام في البلد”.
وتابع: “يعاني الشعب اللبناني اليوم من الجوّ القاتم الذي يسود البلد ومستقبله، ولسوء الحظ يمرّ لبنان في أسوأ فترة منذ السنوات العشر الأخيرة، لأن الأمر لا يقتصر على سوء الوضع فقط إنما على المستقبل المنظور الذي لا يزال قاتماً، ولبنان يحتاج اليوم إلى مَن يدفعه نحو الأمام، لكن للأسف نراه يغيب عن اهتمامات الإعلام الدولي التي تتناول اليوم أحداث غزة وحادثة الطائرة الماليزية، حتى برامج الـ”توك شو” المحلية لا تتطرق إلى المواضيع اللبنانية، وبالتالي أصبح لبنان بعد “الفاصلة”.
ودعا الدولة إلى سداد الرتب والرواتب للقطاع العام، “فتتحرّك الأسواق، ويحقق الإقتصاد الوطني قفزة نوعية، فترتاح أجواء البلد، وصولاً إلى تصحيح الإمتحانات الرسمية بدل تقييد عشرات الآلاف من التلامذة، وبالتالي تقييد الجامعات التي يدخلون إليها بعد نجاحهم، لأن بتعليق السلسلة نكون ضربنا التلامذة والمدارس والجامعات معاً”. في ضوء ذلك، شدد حبيقة على “ضرورة إيجاد حل لملف السلسلة لانتفاء أي سبب يحول دون ذلك، إلا الدوافع السياسية الخطيرة التي تعرقل آلية إقرارها”.
وقال: “تعاني الساحة الداخلية من جنون سياسي في الموضوعين المذكورين رواتب القطاع العام والسلسلة، حيث لا يجري العمل على حل الموضوع داخل “الصحن” بل ينظرون إلى ما هو خارجه، إذ أن الحل المناسب لهذين الموضوعين من السهل جداً إيجاده بما يريح البلد من التشنّج الذي يكبّل اقتصاده ومؤسساته، لأنه في حال تم إقرار سلسلة الرتب والرواتب ودُفعت أجور القطاع العام، سيشهد البلد حلحلة على كل الصعد قد تساعد في انتخاب رئيس جديد، والبلد بحاجة إلى تحريك الأمور للخروج من عنق الزجاجة الموجود فيها”.