Site icon Lebanese Forces Official Website

الشرتوني: قراءةُ القصص لتعزيز نموّ الأطفال النفسي

“الاميرة النائمة”، “ساندريلا”، “بياض الثلج”، “ليلى والذئب”، “تان-تان”… كلّها قصص تقليدية تربّينا عليها ونسجنا حولها الكثير من الأحلام والتخيّلات في طفولتنا، إلّا أنها فقدت وهجها الآن في ظلّ التطوّر التكنولوجي وما رافقه من إنتشارٍ للالعاب الالكترونية التي حلت محلّها مكرّسةً الثقافة الفردية. وهذا ما دفع بعلماء النفس والروائيين الى دقّ ناقوس الخطر داعين الامّهات الى “تربية أطفالهنّ على قراءة القصص لقدرتها على تحفيز مخيّلتهم وتنمية حسّهم الابداعي”.

القصص… لتنمية الخيال

“يمرّ نموّ الطفل العقلي والنفسي والاجتماعي في مراحل مختلفة ويتعرّف الى الخيال المهمّ جدّاً لنموّه، وهذا ما يطوّره من خلال القصص”، كما أكّد الدكتور المحاضر في التحليل النفسي والأمراض النفسية في الجامعة اللبنانية والكاتب في أدب الاطفال أنطوان م. الشرتوني، داعياً الاهل الى “قراءة القصص ما قبل النوم لاطفالهم نظراً الى أهميتها في تنمية الخيال لديهم”.

إلّا أنّ قصص الاطفال تختلف بإختلاف مراحلهم العمرية وبإختلاف جنسهم فثمّة قصص مخصصة للفتيات وأخرى للذكور ومنها ما هو موجّه للجنسين معاً»، حسب ما نوّه الاختصاصي النفسي في حديثه لـ”الجمهورية”.

… ولعب دور البطولة

وأشار الروائي المتخصص في أدب الاطفال الدكتور أنطوان م. الشرتوني أنّ “الطفل يسقط نفسه من خلال القصص التي يختارها، ولذلك فإنه لا يستمتع في القصص التي لا يسقط نفسه فيها كأن يلعب هو دور البطل عوضاً عن شخصية القصّة الحقيقية، وقد يصل الامر أحياناً الى حدّ الطلب من والدته بالتوقّف عن قراءة القصّة وإستبدالها بأخرى”. لذلك، دعا الشرتوني الاهل الى إصطحاب اولادهم معهم الى المكتبات لإنتقاء القصص التي تجذبهم أكثر ليسقطوا أنفسهم من خلالها.

القصّة في عبرتها

“يلعب إنتقاء القصّة المناسبة دوراً بالغ الاهميّة في نموّ شخصيّة الطفل وتوازنه النفسي” حسب ما أوضح المحلل النفسي، مفرّقاً بين “القصص المسليّة الخفيفة التي تهدف الى تسلية الاطفال والتمويه عنهم وهي أيضاً تحفّز مخلّيتهم، والقصص التعليمية التي تحتوي في طياتها على الكثير من المعاني والرموز الاجتماعية والحياتية ويستخلصون منها عبراً تفيدهم في حياتهم لاحقاً وتعلّمهم تقبّل الآخر والتضامن مع غيرهم لمواجهة الصعوبات”.

ومن القصص التعليمية التي يرغب الشرتوني في مشاركتها مع الاهل والاطفال هي قصّة “طارق، تلميذ مميز: دار النديم – بيروت”، من كتابته، وتروي عن طفلٍ مصابٍ بالتوحّد “ففي هذه القصّة نعلّم الولد أنّ الطفل المصاب بالتوحّد هو إنسان مثله، لا يختلف عنه لناحية الذهاب الى المدرسة والتعلّم واللعب مثلاً، ولكنّه يتميّز عنه ببعض التصرّفات البسيطة”.

… والتربية على المبادئ

إعتبر الاختصاصي في التحليل النفسي والامراض النفسية انطوان م. الشرتوني أنّه «تقع على الاهل مسؤولية تربية أطفالهم على المبادئ والقيم الجيّدة في الحياة وتحضيرهم لمواجهة الصعوبات التي قد تعترضهم، ويكون ذلك عبر إنتقاء قصص تحمل في طيّاتها المعاني والرموز والعبر المهمّة».

وعن أهميّة قراءة الامّ القصّة بنفسها لاطفالها؟ ردّ الشرتوني مؤكّداً “مسؤولية قراءة القصّة للاطفال لا تقع على عاتق الامّ وحسب وإنما على الأب أيضاً خصوصاً إذا كان غائباً عن المنزل ولا يشارك الامّ في تربية الاطفال، فالاب يلعب دوراً بارزاً في مسيرة التربية وعليه ان يخصص وقتاً لطفله ليشعر بوجوده وبدوره”.

مناقشة العبر والأفكار

وأشار الشرتوني في حديثه لـ”الجمهورية” الى أنّه قد يتمكّن الطفل من قراءة القصّة بمفرده بعد بلوغه سنّاً معيّنة بتجاوزه الـ6 سنوات، إلّا أنه من الضروري جدّاً أن يطّلع الاهل على مضمون القصّة ليتمكّنوا من تفسير هدفها وعبرها ومشاركتهم أفكارهم وخبرتهم الحياتية”.

ودعا الاختصاصي النفسي الاهل الى مناقشة القصّة ومضمونها مع أطفالهم في اليوم الذي يلي قراءتها فهذا يساعد الاطفال على فهم هدفها وإستخلاص العبر منها. وفي ظلّ إبتعاد الاهل تدريجاً عن قراءة القصص لاطفالهم، شدد الاستاذ المحاضر على أهميّة المطالعة فالقصص تلعب دوراً تثقيفياً وإجتماعياً مهماً، فهي تربّي الطفل على القيم الحياتية والاجتماعية ومبادئها، وتلقّنه طريقة التصرّف مع أصدقائه ومع الآخرين المختلفين عنه.

ولم يمانع فكرة إتجاه الاطفال نحو الألعاب الالكترونية فهي تحفّز الخيال أيضاً وتوسّع آفاقهم، ولكنني ضدّ فكرة حلول الالعاب الالكترونية محلّ القراءة والمطالعة، ومن هنا دور الاهل في توجيههم، داعياً إياهم الى تخصيص وقت للمطالعة بدورهم فالاهل هم المثل الاعلى لأطفالهم.

وبحسب الشرتوني، تساعد القصص في عملية نموّ الطفل الإجتماعي والعاطفي والإدراكي:

1- على الصعيد العاطفي: تعتبر القصة أداة تساعد الطفل لإسقاط مشاعره ومخاوفه تجاه أبطال القصة التي يقرأها.

2- على الصعيد الإدراكي: تصبح القصة وسيلة لكسب اللغة والمفردات والحصول على المعلومات بشكلٍ مسلٍ. لذا يجب أن تكون القصة مسلية لكي ينجذب إليها الطفل ويقرأها بلا ملل.

3- على صعيد النموّ الإجتماعي: تساعد القصة في توعية الطفل على الموضوعات الإجتماعية التي هي محور إهتماماته.

ولذلك ثمّة خصوصية معيّنة في كتابة قصص الأطفال من ناحية الاسلوب والمضمون على الكتاب مراعاتها إذ يختلف المضمون والموضوع ومغزى القصة بين كتب الأطفال والمراهقين، وتلك المخصصة للكبار.

وأدب الأطفال والمراهقين يتميز بوجود نيّة تربوية وبنائيّة للشخصية. وتكلّم الروائي عن خبرته في هذا المجال مشيراً الى أنّه عندما أكتبُ للأطفال أتجنّب عادةً الألفاظ الغريبة أو الكلمات الصعبة جداً والتي يمكن استبدالها بكلمات سلسة، وأتجنّب أيضاً الأساليب المجازيّة المعقدة فأستبدلها بالجمل القصيرة وأختار العبارات ذات المعاني الحسية. والسبب؟

يعشق الطفل قصص الرحلات والأساطير والشخصيات غير الحقيقية، ويحب النهايات السعيدة خصوصاً أنه يقرأها بهدف التسلية، وعلى الكاتب إستغلال هذه النقطة وتوظيفها في التربية والأخلاق، أي إدخال درس أخلاقي في قصة فيها وحوش وديناصورات وشخصيات تحمله إلى عالمها السحري. ويحبّ أنطوان م. الشرتوني استخدام التكرار غير الممّل والتأكيد غير المتكلف لتعليم الطفل كلمات جديدة وجملاً مفيدة.

وختم حديثه لـ”الجمهورية” طارحاً سلسة من التساؤلات: “فمَن منا لا يحب قصة السندباد البحري؟ ومَن منا لا يسترخي وهو يقرأ قصص “الأرنب جانو” للكاتبة البريطانية بياتريكس بوتر”؟ منوّهاً الى “مدى الإيجابية باختيار الكلمات والمواضوعات البسيطة والنهايات السعيدة، في هذه القصص المليئة بالمغامرات والأحداث التي تعلّمنا نحن الكبار والصغار دروساً للحياة”.

Exit mobile version