#adsense

(م) لا (ن)… مسيحيون لا نصارى

حجم الخط

ما إن اعلن تنظيم “داعش” وضعه حرف “ن” على بيوت المسيحيين في الموصل للتدليل على “نصرانيتهم”، حتى اطلق ناشطون مسيحييون ومؤسسات مسيحية حملةً إعلامية رفعوا فيها حرف “ن” ردّاً على ارتكابات داعش، وإمعاناً في تأكيد “نصرانيتهم”!

ليست المشكلة في أن ينتفض مسيحيون لكرامتهم وحرية معتقداتهم الدينية، وهذا حقٌّ بديهي، وإنما المشكلة تكمن في تبنّيهم الدعاية الداعشية التي يثورون بوجهها اساساً!

إذا ارادت “داعش” او غير “داعش”، أن تُطلق على المسيحيين تسمية “نصارى” فهذه مشكلتها، امّا نحن فمسؤوليتنا الاّ نجاري دعاية “داعش”، وأن نوضح لـ”داعش” ولغيرها ، اننا مسيحيون ولسنا “نصارى”، وأننا أحرار مؤمنون متساوون في الجوهر مع بقية البشر.

النصرانية ليست المسيحية، بل هي بدعةٌ دينية تزامن وترافق وتماشى ظهورها الزمني والجغرافي، مع ظهور الإسلام، وتأرجحت تعاليمها بين المسيحية واليهودية، فـ”أخذت شيئاً من كل شيء”، ولم تعترف بفضل احدٍ عليها!

النصرانية هي بدعةٌ عرفتها الجزيرة العربية قبل اكثر من 15 قرناً، انكرت الوهية المسيح ورفضت صلبه وقيامته، وقالت بأنه “شُبّه به”، وحرّمت “الميتة ولحم الخنزير”، واوصت بالختان.

امّا اهل السير والأخبار في الإسلام، كالمسعودي وابن سعد والطبري وغيرهم، فأطلقوا وصف “الحنيف”، اي “من هداه الله الى الصراط المستقيم”، على المسلم، وكذلك على النصراني. لكأن الحنيفية والنصرانية والإسلام، ثلاث صفات لمُسمّى واحد!!

الإسلام، في مرحلة الوحي والنبّوة، تعرّف الى النصرانية عن كثب، فجمعته بها روابط مودّةٍ وأكثر، امّا المسيحية فيبدو انه لم يتعرّف اليها كفايةً، بالنظر الى المسافات الجغرافية الشاسعة التي فصلته عنها!

جاء في القرآن الكريم:” لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى (المائدة:82).

المسيحيون اخذوا بالأناجيل الأربعة: متى، مرقس، لوقا ويوحنا، امّا النصارى فهم، بحسب القرآن الكريم، “من قوم موسى اُمّةٌ يَهدون بالحق وبه يعدلون”(الأعراف:181).

ويصف القرآن النصارى بـ “الراسخون في العلم…يؤمنون بما اُنزل اليك”(النساء: 162)، وهم بذلك يعلمون ان القرآن حقٌ فيؤمنون به: “الذين اوتوا العلم (يعلمون) أنه (اي القرآن) الحَقُ من ربِّك، فيُؤمنوا به”(الحاج:54)، و”يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم(اي النصارى) درجاتٍ”(المجادلة:11).

النصرانية لم تعترف بمجمع نيقيا المسكوني المنعقد العام 325، والذي وضع الأسس الإيمانية الأولى التي سار عليها المسيحيون بمختلف طوائفهم، من موارنة، ونساطرة (اشوريين) ويعاقبة (سريان واقباط) وروم ارثوذكس وكاثوليك وارمن وبروتستانت وغيرهم… قبل ان تُفرقّهم مجامع اخرى.

النصرانية اندثرت او ذابت مع ظهور الإسلام، امّا المسيحية فتبقى وتستمر.

إذا ارادت “داعش” محاسبة المسيحيين على موقف بعضهم المؤيد للنظام العلوي في سوريا، فعليها الاّ تنسى ايضاً ان موقف بعضهم الآخر كان مؤيداً لنظام صدام حسين السنّي في العراق.

لو ارادت “داعش” اضطهاد المسيحيين على اعتبار انهم “نصارى”، فعليها ان تتذكر عندها “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة:62).

امّا وان داعش خرقت العهود، وانقلبت على تعاليم القرآن الكريم بالذات، فمن واجبنا عندئذٍ تذكيرها وتذكير سواها، بأن الحرف (ن) لا يمت الى المسيحيين بأي صلة، وبأن مسيحيي اليوم ليسوا نصارى القرن السادس والسابع، وبأن “العهدة العمرية” اكل الدهر عليها وشرب، وبأن المسيحيين في هذا الشرق ليسوا الجلاّدين، وإنما هم ضحايا الظلم والقهر والنسيان.

إذا كانت ثورة “الربيع العربي” هي ثمرة الظلم والقهر والإضطهاد منذ عقودٍ قليلة، فإن الظلم والقهر والإضطهاد ايّاه يُطاول مسيحيي الشرق منذ قرونٍ طويلة.

وإذا كانت داعش هي ثورة دموية مسلّحة عنفية تكفيرية على ظلم الديكتاتوريات، فإن “السلاح” الذي اكتفى به المسيحيون لدفع الظلم اللاحق بهم على مدى قرون، هو الصلاة والعلم والتنوّر والحوار والإعتدال…فهل هكذا تكافئونهم؟

جاء في القرآن الكريم: “فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” (البقرة:194). بماذا اعتدى مسيحيو الموصل عليكم حتى تعتدو عليهم بهذا الشكل السافر؟

منذ اكثر من الف سنة ومسيحيو الشرق يسددون اثماناً لا ناقةً لهم فيها ولا جمل.

ايها الداعشيون “إتقوا الله واعلموا ان الله مع المتقّين”، وتذكروا بأن “الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (الشورى:42)…

صدق هذا القول العظيم!!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل