كتب أحمد عدنان في “دوت مصر”:
قام المتحدث الرسمي باسم حزب النور السلفي (شريف طه) بهجوم فضائي وآخر إلكتروني على د. سمير جعجع (الزعيم اللبناني ورئيس حزب القوات اللبنانية) تحت عنوان مباركة الجماعة الإسلامية في لبنان ترشح (جعجع) لرئاسة الجمهورية. لم يكن طه شاذا في سياق الإعلام المصري، فمن نفس المنظور تحدثت صحيفة (المصري اليوم) وصحيفة (البديل)، وكتب كل من مازن عباس وسمر سلمان مقالتين بنفس المعنى، وللإعلامي العتيق حمدي قنديل هجوم فضائي على الدكتور جعجع – قبل سنوات – باتهامات ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا والعمالة لإسرائيل.
ونظرا لالتباس صورة الدكتور جعجع في مصر، فقد وجبت هذه السطور، خصوصا وأن أغلب المتحدثين في هذا الموضوع – رغم تأثير بعضهم وعراقة البعض الآخر – لا دراية لهم مطلقا بالشأن السياسي في لبنان ولا بتاريخه، ومنهم من يحمل حقدا أيديولوجيا واضحا.
المغالطة الأولى هي أن “جعجع هو من ارتكب مجزرة صبرا وشاتيلا”. هذا غير صحيح مطلقا، من ارتكب المجزرة هو الجيش الإسرائيلي تخطيطا وإشرافا وميليشيا سعد حداد تنفيذا بالتعاون مع القائد القواتي إيلي حبيقة (كانت تحت إمرته ميليشيا شبه مستقلة عن هيكل منظمة القوات اللبنانية). أستند على ما أقول إلى تحقيق رسمي أجرته لجنة مستقلة في إسرائيل وتحقيق آخر أجرته لجنة قضائية مستقلة في لبنان برئاسة القاضي أسعد جرمانوس، ولم يظهر اسم (جعجع) في التحقيقين تلميحا أو تصريحا.
المجزرة البشعة وقعت في 16 – 19 سبتمبر 1982، إذا سلمنا جدلا بمسؤولية تتحملها القوات اللبنانية في ذلك الوقت، أيضا لن يكون لـ (جعجع) صلة بالموضوع. عام 1982 كانت القوات تحت قيادة فادي أفرام (1982 – 1984)، خلفه فؤاد أبو ناضر (1984 – 1985) لتنتقل القيادة إلى إيلي حبيقة وسمير جعجع (1985 – 1986) ثم انفرد بعد ذلك بالقيادة منذ عام 1986 إلى تاريخه. الخلاصة أن (جعجع) لم يظهر في مشهد القرار بالقوات إلا بعد 3 سنوات من ارتكاب المجزرة.
وما يسري على مجزرة “صبرا وشاتيلا” يسري على مجازر أخرى كلها حدثت قبل عهد (جعجع) كمجزرة الكرنتينا وتل الزعتر، والأهم من ذلك أن موقعه في القوات – حينها – كان منصبا ثانويا في شمال لبنان، أي أنه بعيد بمئات الكيلومترات عن الموقع الجغرافي للمجازر.
المغالطة الثانية هي أن “جعجع أدخل إسرائيل إلى لبنان وتعاون معهم”. هذا غير صحيح مطلقا، انطلق التعاون بين القوات اللبنانية في عهد مؤسسها الشيخ بشير الجميل بعد أن ضاق المشهد المسيحي في مواجهة السوريين والفلسطينيين، والتفاصيل الكاملة لهذه القصة واردة في كتاب (قصة الموارنة في الحرب) لجوزيف أبو خليل وهو من قياديي الكتائب. ما لا يعرفه البعض، أن من أهم قرارات سمير جعجع بعد انفراده بقيادة القوات اللبنانية قطع العلاقات مع إسرائيل وإغلاق سفارتها في ضبية. ويجب أن نضيف أن الاتصال بالإسرائيليين لم يكُن حِكرا على القوات والكتائب، بل كان لوليد جنبلاط (زعيم الدروز) اتصالات مكثفة معها – في العلن – بعد اجتياحها لبنان واعتبر حليفها في مرحلة معينة. حليف المقاومة – اليوم – الجنرال ميشيل عون كان على اتصال بإسرائيل منذ 1982 إلى خروجه من قصر بعبدا 1990، وبإمكان القارئ مراجعة محركات البحث ليطالع الصورة التي تبرزه مرحبا بقيادي إسرائيلي بعد احتلال بيروت، إضافة إلى كتاب (عودة الجمهورية) للرئيس الياس الهراوي الذي نقل بعضا من وثائق اتصال عون بالإسرائيليين. ميليشيا سعد حداد (جيش لبنان الجنوبي) كانت على صلة عضوية بإسرائيل (قيادتها مسيحية و 70% من عناصرها شيعة). حين اجتاحت إسرائيل لبنان استقبلها أهل الجنوب بالورود نظرا للتنكيل الفلسطيني بهم!
خلال الحرب الأهلية، كانت المجازر لغة متبادلة بين منظمة التحرير والأحزاب المسيحية، لكن الإعلام العربي – للأسف – لم ينقل إلا جانبا واحدا من الصورة. وعليه راج تصور مغلوط – عند البعض – بأن (جعجع) معاد للقضية الفلسطينية، وهذا غير صحيح مطلقا، (جعجع) وأغلب القيادات المسيحية ناهضت ممارسات منظمة التحرير في لبنان من الوصاية على بعض الزعامات المسلمة إلى انتهاك الدولة ومشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان – الذي تمتع بحظوظ عالية قبيل الحرب الأهلية – وللتدليل على ما أقول، بإمكان المهتم مراجعة مواقف (جعجع) في السنوات الماضية ومطالعة برنامجه الرئاسي الذي أشار بوضوح وإيجابية إلى القضية. جمعت سمير جعجع وياسر عرفات علاقة مهمة حيث هندس (عرفات) – بعد خروجه من لبنان – علاقة القوات اللبنانية بالدولة العراقية لدعم (جعجع) في مواجهة مطامع حافظ الأسد في لبنان، ولا يُعقل أن يخدم (عرفات) رجلا معاديا للقضية!
المغالطة الثالثة هي أن “جعجع ارتكب مجزرة إهدن عام 1978 التي أودت بطوني فرنجية وعائلته”، وهذا غير دقيق بالمرة. في ذلك الوقت كان حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل وكانت القوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل، وكان (جعجع) آمر مجموعة ثانوية في شمال لبنان يسبقه في الهيكل التنظيمي صف عريض كإيلي حبيقة وبطرس خوند. تصالح حزب المردة الذي يتزعمه سليمان فرنجية مع حزب الكتائب وآل الجميل وإيلي حبيقة ليصب خصومته على جندي صغير أصيب قبل الارتكاب الحرفي للمجزرة!.
المغالطة الرابعة هي أن “جعجع قتل الزعيم المسيحي داني شمعون ورئيس الوزراء السني رشيد كرامي، ومدان قضائيا بذلك”. وهذه الحجة مبنية على أساس قانوني مختل، فالمحاكمات تمت على أساس اتهام (جعجع) بتفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994 ونال فيها البراءة لاحقا، وبالتالي فإن القضايا التي تدور حولها بلا أساس. فوفق قانون العفو الصادر عام 1991 الذي شمل كل أمراء الحرب والجرائم الواقعة خلال الحرب الأهلية، لا يسقط القانون إلا بشروط أهمها “إذا استمر مرتكبوها (الجرائم) في ارتكابها أو عاودوا ارتكاب مثلها بعد تاريخ العمل بهذا القانون”، وعلى أساس هذا النص تمت محاكمة (جعجع) باغتيال شمعون وكرامي مع محاكمته بتفجير كنيسة سيدة النجاة الذي وقع بعد قانون العفو. كما ان المحاكمات تمت في عهد الوصاية السورية المعادي لـ (جعجع)، وبالتالي انتفت شروط أساسية في قيمة ومفهوم “المحاكمة العادلة” التي من حق (جعجع) أن يتمتع بها. وللتدليل على الوصاية التي عانى منها القضاء اللبناني زمن الاحتلال السوري نذكر بحادثتين: اتهام المفكر الوطني توفيق الهندي بالعمالة لإسرائيل لمجرد معارضته للتواجد السوري في لبنان، والحكم القضائي “الفضيحة” بإبطال العضوية النيابية لغبريال المر الذي ربح الانتخابات بنزاهة وباكتساح، لكن القضاء – فجأة – أصبح له رأي آخر لأسباب سياسية.
إن اتهام (جعجع) باغتيال (كرامي) و(شمعون) يطغى عليه النفس السياسي بلا ريب، فالذي وقع قانون العفو هو الرئيس عمر كرامي (شقيق رشيد) كرئيس لحكومة عين فيها سمير جعجع وزيرا (1990 – 1992) وصرح مرارا بأن قاتل شقيقه هو الجنرال ميشال عون، فهل اكتشف (كرامي) فجأة أن (جعجع) هو قاتل شقيقه؟!. عقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عرضت سلطة الوصاية السورية على سمير جعجع الإفراج الفوري مقابل تحالفه مع عمر كرامي في محافظات الشمال بلبنان، لكن (جعجع) رفض العرض!. اتهام (جعجع) باغتيال الزعيم المسيحي داني شمعون غير مقنع لعائلة (شمعون) نفسها، وشقيق داني (دوري) – اليوم – من الحلفاء الدائمين لـ (جعجع).
لم يكن (جعجع) أمير الحرب الوحيد في لبنان، لكنه الأمير الوحيد الذي حوكم، وفي هذا الاستثناء وقع عليه الظلم. جرائم حركة (أمل) في الحرب الأهلية – كحرب المخيمات واحتلال بيروت – لم تمنع زعيمها نبيه بري من رئاسة مجلس النواب. جرائم الحزب التقدمي الاشتراكي في الحرب الأهلية – كحرب الجبل وحرب العلمين – لم تمنع قائده وليد جنبلاط من الزعامة والتوزير، وهذا يسري أيضا على ميشيل عون صاحب حرب الإلغاء. كل تلك الجرائم لا يتحدث عنها أحد رغم فظاعة بعضها ضد الفلسطينيين كحرب المخيمات التي نفذها نبيه بري – بأمر سوري – وراح ضحيتها الآلاف من الفلسطينيين العزل!.
يستهدف (جعجع) دون غيره لأسباب أهمها موقفه من الوصاية السورية. قامت سلطات الوصاية بشيطنته لمصلحة تبرئة سلفه في قيادة القوات (إيلي حبيقة) – المرتكب الحقيقي لأغلب الجرائم التي يتهم بها (جعجع) – وقمع أي مناهض لها. كما ان بعض أمراء الحرب يساهمون في شيطنة (جعجع) كنوع من تبرئة الذات!. كان (جعجع) أمير حرب مثله مثل غيره، لكنه ربما كان أكثرهم وطنية، وذلك عيب المبصر في غابة العميان.
سمير جعجع منذ خرج من سجنه السياسي عام 2005 يثبت – يوما بعد يوم – أنه روح تيار السيادة والاستقلال (14 آذار)، وبذلك خرج من إطار الزعيم المسيحي إلى دائرة الزعيم الوطني، فبغياب سعد الحريري وتقلبات وليد جنبلاط واختطاف القرار الشيعي من (حزب الله) و(أمل)، غدا جعجع زعيما للأحرار من السنة والدروز والشيعة كما هو زعيم لأحرار المسيحيين. قبل ذلك يسجل لـ (جعجع) أنه انخرط في السلم كما يجب بعد أن خاض الحرب كما ينبغي.
طوال مسيرة (جعجع) السياسية كان زعيما لبنانيا صرفا مستقلا، وهذه اللبنانية هي مصدر قوته في الداخل ومصدر احترامه في الخارج. الانتماء اللبناني أهم مواصفات رئاسة الجمهورية في مرحلة تشهد تمزق لبنان بين مشاريع إقليمية وتوسعية تستهدفه، لذا يستحق قصر بعبدا سمير جعجع لأنه من اللبنانيين القلائل في لبنان!.
الصورة السلبية الرائجة عن (جعجع) في مصر تعود إلى عناصر عدة: صوت الدعاية السورية التي لم يكن لها منافس، الجهل بالتاريخ اللبناني وخصوصياته، والأهم من ذلك سكوت (جعجع) عن حملات التشويه، لذلك أقترح على القوات اللبنانية مقاضاة وسائل الإعلام والشخصيات العامة التي تروج لهذه الأكاذيب والمغالطات. إن المعركة القضائية محسومة لـ (جعجع) اعتمادا على الأدلة الدامغة ونزاهة القضاء المصري.