كتب أمجد اسكندر في مجلة “المسيرة”: لفتتني، قبل مدة، إعادة افتتاح مسجدي التقوى والسلام في طرابلس، بعد الدمار الذي أصابهما جراء التفجير الإرهابي في الصيف المنصرم. لقد تنادى أغنياء المدينة وفاعلياتها، وعلى رغم ما بينهم من خصومات، وقدّموا كل المال اللازم ليعود المسجدان الى أفضل حال.
ولفتني في مكان آخر من لبنان، وفي الشتاء المنصرم، أن صاعقة ضربت كنيسة وهدمت قبتها وجزءًا من جدار المدخل. الصاعقة ضربت مرتين. بعد استهداف الكنيسة، اقتلعت صاعقة ثانية، شجرة كبيرة على الطريق المؤدية الى الكنيسة. طارت الشجرة، وطار إسفلت الطريق تاركاً مكانه حفرة عميقة.
وكما تنادى وجهاء طرابلس وبذلوا الغالي والرخيص لإعادة بناء المسجدين، اندفع أبناء الكنيسة وراء الكاهن في حملة تبرعات. وقدَّم الأبناء كل ما يَلزم لإعادة البناء. وأسوة بالطرابلسيين، تناسى أهل القرية خلافاتهم السياسية والعائلية، وتباروا في بذل المال والرجال لتعود الكنيسة الى أفضل حال. وعادت. بسرعة عادت.
وكما أقيم احتفال كبير لمناسبة ترميم المسجدين في طرابلس، اكتفى أهل القرية باحتفال على مقاسهم. قداسٌ ترأسه مطران الأبرشية. جاء ووعظ، وذكر أسماء المتبرّعين، “وعموم أهل هذه الرعية”، وتغدّى، ورحل.
كان في إعادة ترميم المسجدين نوع من التحدي والرد على من استهدف “طائفة” المُصلين. وعلى رغم أن خراب الكنيسة سببه الطبيعة، أوحت الحماسة التي سيطرت على المُصابين في كنيستهم، وكأن صاعقة الكنيسة أرسلتها “داعش”. في نظر كثر من “أبناء الرعية”، لم تكن مصادفة أبداً أن تُسرق “صَينية” الكنيسة، وأن تضربها الصاعقة في شهر واحد. شيء من إنذار إلهي؟ من عقاب؟ التخمينات مستمرة!
من بعيد، بدا واضحاً أن الكنيسة أصبحت أفضل مما كانت.
أقول من بعيد، لأن الوصول إليها لا يزال دونه مشقة وصعوبات. فالحفرة لا تزال في مكانها، ولا تزال السيارات تعاني وعورة الطريق، خصوصا إذا تحوَّل تراب الحفرة وحولًا بسبب المطر، أو قسطل شركة المياه الذي كسرته شاحنة عندما تطرفت لتتفادى الحفرة! الحمد لله كان المطر قليلاً هذا الشتاء.
الطريق الى مسجدي طرابلس، وبالتالي الى طرابلس المدينة، ليست بأفضل. كل يومين “قطع طريق” و”حرق دواليب”، احتجاجا على اعتقال أو عدم إطلاق سراح.
لماذا لدينا معابد، وليست لدينا طرق معبّدة؟ الجواب بسيط.
نحن ننتمي الى كنائس ومساجد وحسينيات وخلوات، ونشعر بأن هذه الطريق هي “ملك الدولة”.
والدولة “هي لهم” وليست لنا. لا نحن منها وليست هي منا!
نحن من دون “طوائفنا” ضحايا هذه الدولة. ووحدها “طوائفنا” تعرف كيف تأخذ حقنا منها. ألم تلاحظوا معي أن “الأوتوسترادات” تقف عند عتبة الصروح الدينية؟ “أوتوستراد حريصا”، ثم هناك “تخطيط” لما بعد حريصا. “مار شربل”، ثم لاحقا ومؤخراً نحو اللقلوق. رفقا والحرديني ثم “قف مكانك”. الديمان ثم “تخطيط” لما بعد الديمان. على الضفة الإسلامية يكفيك “مؤسسة جهاد البناء”. وزارة أشغال مضروبة باثنين!
الدولة المبنية على “ميزان رعب” بين الطوائف، تنتهي الى زوال الدولة، وبقاء الرعب! فالسلطة كالرقم المفرد غير قابلة للقسمة العادلة. لا يمكن تناصُفَها، ولا تلاثُتُها، ولا ترابُعُها. دائمًا سيبقى هناك “كسور” في القسمة. والكسور السياسية في بلد الطوائف، محتّم أن تتحول رعباً، وفي أحسن الأحوال ريبة وحذراً.
لتتساوى كفتا الميزان يجب أن نضع في كل كفة: السلطة ذاتها. الصلاحيات نفسها. هذا إذا أردنا أن نبقى نَزِينُ في ميزان واحد.
