
قراءات في أدب المعتقل بصوت الإعلاميين بسّام براك ولينا دوغان من لوحات وخواطر وقصائد وكتابات: محمود درويش، ملحم الرياشي، محمد الماغوط وبسّام براك في مرافقة موسيقية مع عازف البيانو جاد مهنا.
1-لينا: جثا على ركبتيه أمام الصَّخرة، شبك يديه
بعضَهما ببعض، ورفع دموعه إلى العلى:
بسام: لماذا؟
لماذا رغم كل ما فعله لهم؟
هل يعقل أن يتجمهروا من حولِه قضاة ودعاة
يدَّعون عليه زورًا ويرفعون الحراب في وجه
جسده الضَّعيف…
لينا: قدَّموا لهم المال سهلاً / والهدايا.
ووضعوها أمامهم على أرض من الرَّمل متحرِّكة
بسام: وقدَّم لهم المستقبل الاكيد في أحضان
قضيَّة حقّ
على أرضٍ من الصَّخر لا تهتزّ
لينا: قدَّموا لهم الخوف من الماضي
ومن الحِراب
ومن العسكر /ومن الملك / ومن أيّ أحدٍ قد…
بسام: وقدَّم لهم الشَّجاعة على حراب الظُّلم
وقناعة المؤمن أنَّ لا أحد يخيف ولو كان أحدٌ
يخاف
لينا: قدَّموا لهم الأكلَ المعلَّب
والفكرَ المعلَّب
والعمرَ المعلَّب
بسام: وقدَّم لهم قضيَّةً
وإيمانًا يتفاعل من الدَّاخِل
يتلاعب بالوعر يجعلها سماء
لينا: سمعت الصَّخرة الحكاية،
بسام ولينا: لكنَّ الصَّخور… لا تجيب.
2-بسام: الحرِّية للسجَّان
شفير هاويته.
قد ترتدي الحرِّية ألوانًا مختلِفة
لكنَّها لا تظهر في المرآة
إلاّ بالأرجواني…
إنَّه في الأساس
أجمل أثوابها.
3-لينا: قد يكونُ الحبُّ قويًّا كالموت
لكن السِّجن… أقوى من الموت
ومن يقوى على السِّجن…
4-بسام: سيسقطُ القصرُ
وسوف أمرُّ
لينا: سيسقطُ القصرُ
وأنا بعدُ حرُّ
بسام: لو استعبد أهلي
لينا: لو اشترى صحبي
بسام: لو رَشى قومي
لينا: لو كلّهم خرّوا
لينا وبسام: لسوف أعبرُ وحدي
وسوف يعبر بعدي
كلُّ حرٍّ… ويسقطُ القصرُ.
5-لينا: الحارس حزين. لقد كنتَ سبب مهنته وموجب بقائه ورزق عائلته وخبز يومياته..و ها هو جثة تحرس نفسها من الاهتراء تحت الارض.
بسام: وحدَها زنزانتي تشتاق الي . فانا وهي تمالحنا بحرا من الآهات والأسرار يوم كانت الآذان صماء والكلام محالا/ ورسائل الاحباب تهريبة مدانة .
لينا: انت وهي/ رمتكما العداوة في قدر المصاحبة// ومع مرور الزمن تآلفتما كالصخر والموج كالهمس والصراخ كالجرح والمسمار كالسجين والسجّان.
بسام: كيف لي أن لا أتوجع عليها وقد أسكنتها تربة وجعي. صبّحتها بانتظاري شمسا لم تفئ علينا، ومسّيتها بظلال قمر لم يطلع على نعاسي ..
لينا: انت وهي عرفتما ما معنى الصمت وصوته، الغربة في عمق وطن/ في حفرة وطن . انت وهي لبستما البرد حين انهال عليكما ، وعانقتما الفراغ ليملأكما.
بسام: ورسمنا الريح على الجدران لتمرّ الريح، في ثنايا القلب، في… تحت الأرض.
لينا: كيف اغلقت الباب خلفك على وجعها عليك ؟ كيف لم تنظر الى الوراء قليلا لترميها ببسمة… بقبلة؟ فهي احتضنتك يوم نفوك. وكتبت اسمك على حوائطها يوم شطبوه ، وربّتت كتفك حين أداروا ظهورهم لك…
بسام: في زنزانتي احد عشر عيدا بلا جرس احد عشر عمرا بلا شمعة احد عشر أملا من الالم ..سأودع بعضا من قلبي لتنبض به، لأدرّبَها على فنون الحريّة ومعشر الحرّيّة واسم الحرّيّة حتى آخر قضبانها، حتى آخر وحدتِها من دوني…
بسام ولينا: لأسمّيَها على اسم السجين الحرّ…الزنزانة الحرّة.
6-بسام: تريدونَ سجنًا؟
تغصُّ أرضي بالسُّجون
تريدون حبًّا؟
أرضي عطشى للجنون
وأين الشِّعرُ وأين القمر
وأين الجسرُ وأين الشَّجر
لينا:هبط الجسرُ
وانهارت الكلمات
وعلقنا على الضِّفَّة الأخرى
بين الموتِ وبين الحياة
بين الحقيقةِ وبين الكِذبة.
بسام:إذهبوا وابحثوا لي عن وطن
لا أريدُ بعد اليوم كِذبة
لا أريدُ بعدَ اليوم خِدعة
إذهبوا وابحثوا لي عن وطن
لا أريدُ كذبًا مقنَّعًا بقانون
ولا خِداعًا مغلَّفًا بدستور
لينا: أريدُ الحقيقة الثائرة في سجني
أن تحرِّرني
أريدُ القضيَّة الأسيرة بين القضبان
أن تحرِّرني
بسام: أريدُ من العقلِ النَّابِض بالحق
أن يلتحفَ قضيَّة
ويحرِّك ساعديه ثورةً لقضيَّة
أريدُ من أغصانِ الكرمةِ أن تثمر
وأريدُ من اليابسةِ أن تلقى في النَّار
وأريدُ أن يعودَ قلب الشَّرق ينبض
بسام ولينا: وأريدُ الحبَّ
وأريدُ الحقَّ
فأريدُ الثَّورة.
بسام:أريدُ وطني
لينا:أَعيدوا إليَّ وطني
بسام:أريدُ سجني
فأعيدوه إليَّ
لآكلَ مع الفقراء
لينا: وأشربَ مع الفقراء
لينا وبسام:وأبقى حرًّا
كما الفقراء في وطني
7-لينا: الحبّ ان تخصّ قلبك بواحد، فإن أضفت إليه آخر خنت الحبّ.
بسام:والمحبّة ان تمنح نفسك للبشريّة جمعاء، من سَبق أن وجدوا ومن هم في الوجود ومن سوف يوجدون ، فإن أسقطت منهم واحدا خنت المحبّة
لينا: اللبناني؟ بالحب هو للبنان وحده. لا يشرك فيه، وبالمحبة هو للبشريّة كلّها لا ينتقص منها ولا أمّة.
بسام: وليس لبنان ماضَيه وحسب، على جلال ذلك الماضي، وليس لبنانُ حاضرَه وحسب، على تفرّد ذا الحاضر- رغم ألف هناة تشوبه- بانتمائه الى قيم مصيريّة/ أروعُها الحرّيّة.
لينا: وإنّما لبنان هو أيضا ، انشدادُه الى المستقبل. أمّة من فصيلة أمم تأبى أن تُحَدّ بحدود.
بسّام: سنربض على صدر الدهر. سنخلق نفسنا استمرارا.
لينا: سنُنزل دوما الى ساحة الوجود أشياء عظمى ، أجملها اعتزامُنا بان نتبدّلَ ونبدّلَ ولكن دوما صوب المزيد من الحق.
بسّام:كلمة الامر عندنا.
لينا + بسّام: نأتي عجبًا او/ نموت.
8- بسام: مع تغريد البلابل وزقزقة العصافير
أناشدك الله يا أبي
لينا: هذا القلمُ سيوردني حتفي
وأنا أتبعه كالمأخوذ
بسام: لم يترك سجنا الا وقادني إليه
لينا: ولا رصيفا الا ومرّغني عليه
بسام: في المساء يا ابي،
المساء البارد والموحش كأعماق المحيطات
لينا: حيث هذا يبحث عن حانة
وذاك عن مأوًى
بسام: أبحث أنا عن كلمة
عن حرف أضعه إزاء حرف
ولكن.. أوتظنّنُي حزيناً يا أبي؟
أبدا
لينا: لقد حاولت تمرارا وتكرارا
أن أنفض هذا القلم من الحبر
كما يُنفض الخنجر من الدّم
ولكنّني فشلت….
بسام: أنام لا شيء غير جلدي على الفراش
جمجمتي في السجون
لينا: قدماي في الأزقة
بسام: يداي في الأعشاش
لم يبق مني غير الأضلاع وتجاويف العيون
لينا: فاقتلعني من ذاكرتك
وعد إلى محراثك وأغانيك الحزينة
بسام ثم لينا: لقد تورّطت يا أبي
وغدا كلّ شيء مستحيلا
كوقف النزيف بالأصابع.
9-لينا: السجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا درّب حنجرته على ما يشبه الغناء، فتلك هي الطريقة المتاحة لترويض العزلة وصيانة كرامة الألم.
بسام: أن تسمع صوتك المبحوح يعني أنّ آخرك سامرك، وأسرّ لك بأخبارك الشخصيّة في غرفة كلما ضاقت اتسع ما وراءها واحتضنت العالم بشغف المصالحة.
لينا: حجم الارض هنا متران مربعان لهما باب حديديّ دائم الإغلاق. أصوات أحذية غليظة تحمل إليك حساء العدس المطبوخ بالسوسس ، فتدرك ان نهارا جديدا قد حلّ ضيفا على العالم.
بسام:لكنك لا تعلم إن كانت حرب جديدة قد اندلعت ، أو كانت الحرب القديمة قد وضعت أوزارها.
لينا:ولا تعرف إن كانت ثيابك قد توقفت عن بث رائحتها أم أن حاسّة الشمّ فيك هي التي تعطلت.
بسام: السجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه الا وامضى الليل كلّه في تدليك عضلات الحرية المتشنّجة.
لينا:وفي حوار غير متكافئ مع سجّانك تقول له:
بسام: أنت، لا أنا، هو الخاسر، فمن يحيا على حرمان غيره من الضوء يغرق نفسه في عتمة ظلّه.
لينا: أنت الخائف. لا انا .لي الرؤيا
بسام: ولك برج البرج وسلسلة المفاتيح الثقيلة والبندقية المصوبة الى شبح. لي النعاس
لينا: ولك السهر لئلا يسحب النعاس سلاحك من يدك . الحلم مهنتي ومهنتك استراق السمع، سدى، الى حديث غير ودي بيني وبين حريتي.
بسام: السجن كثافة. ما من أحد قضى ليلة فيه إلا درّب حنجرته على ما يشبه الغناء،
لينا وبسام : فتلك هي الطريقة المتاحة لترويض العزلة وصيانة كرامة الألم.
وانتصار الحرية
وانتصار الحرية
وانتصار الوطن